آغا شاهد علي.. وطن بحجم بطاقة

 

 

الشاعر:

   ليس مألوفاً تماماً– فلنفرض ذلك على كل حال- أن يكون للشِّعر الكشميري جزء واضح الملامح من قراءتنا المعتادة. وليس مألوفاً تماماً– في حالٍ أبعد من الافتراض وأقرب لليقين هنا- أن نستمع لشاعر كشميري يقتصر شعره على الإنجليزية فحسب مذ كان صبياً. من هنا يمكننا تقديم (آغا شاهد علي) كواحد من أكثر الشعراء المنجزين باللغة الإنجليزية من جنوب آسيا. سأراوح بين (شاهد)، و(آغا شاهد علي) في سياق العرض تيمناً بإحدى قصائده التي باح فيها عن معنى "شاهد"  بالعربية (أي شاهد عيان)، وعن معناه بالفارسية (أي المحبُوب)، وأزعم إنه أراد أن يُحبَّبَ به عندما أسمى أحد دواوينه "الشّاهد المحبوب"، وبالتالي فإن هذه المُكتسبات الثقافية واللغوية الثرية تشكل هاجساً حياً في روح قصائده:  

 

"لغةُ الفقدِ الوحيدةِ الباقيةِ في هذا العالم .. العربية

هذه الكلماتُ قيلتْ لي بلغةٍ غير عربية

...

يسألونني لأخبرهم عن اسمي

فلتسمعوا: يعني "المحبوب" بالفارسية

ويعني "شاهداً" بالعربية".

 

   ارتحل شاهد إلى العديد من المدن، والأوطان في حياته، ولذلك ألصق صفة "المنفي لجهات عديدة" على نفسه: من نيودلهي حيث ولد، إلى كشمير حيث نشأ، ومنها إلى أمريكا التي استقر فيها ونال الماجستير والدكتوراه من جامعاتها، وأبدع في ترجمة الشعر من الأوردو إلى الإنجليزية (له اجتهادات جليلة في مقاربة فن "الغَزَل" بين الأدبين وترجمة أشعار فايز أحمد فايز)، وحاضر في الكثير من الجامعات المرموقة، وطبع معظم دواوينه فيها. لكن رغم إتقانه للغة الكشميرية بطبيعة الحال، وعشقه المفضوح للغة الأوردو تأتي تجربة شاهد مثيرة، ومتميزة جداً في لغة الشعر "المُختارة". قد لا تكون لغة الشعر خياراً ينتقيه الشاعر بالضرورة، لكن ما أريد قوله هو إنه بالرغم من أنَّ الإنجليزية ليست لغة غريبة حقاً في تلك المنطقة من العالم في حد ذاتها، لكنها – كلغة شعرية - وبالنظر إلى الظروف السياسية والجغرافية المُطلة برأسها على كشمير، تبدو خياراً إبداعياً محايداًً في قضية تتشابك فيها أوصال الانتماء والهوية غايةً في التعقيد. ولطالما عبّر شاهد دون تحرج عن هويته التي استقر على كونها كشميريةً أمريكيةً. يا ترى كم كشميرياً أمريكياً نلتقي كل يوم! كم كشميرياً أمريكياً قابلتَ في حياتك! 

   في الواقع، استفاد العالم (الغربي بالدرجة الأولى) كثيراً من تجربة شاهد في استيعاب القضية الكشميرية من منظور إنساني يعبر عن وجعه بما يمكن أن يعبر به: الصدق. شاهد - كمبدع مخلص- نأى بنفسه عن دهاليز السياسة المعتمة لكسب تعاطف (كان سيستحقه لو فعل) في تنوير قضيته الكبرى رغم إنها سياسية حتماً. أمريكا– نفسها- استفادت من مسعى شاهد عندما أضاء ذلك الجزء الصغير من خارطة العالم للعيون الأمريكية (التي يمكن أن نَصِفَها بالعمياء عندما يتعلق الأمر بالعالم وراء المحيطين، وثقافته الشتى: إذ لا أتكلم اللغة "الإسلامية" كوني من عُمان، بل أتحدث اللغة العربية!). وهكذا لم تعد كشمير – بالنسبة للأمريكيين على الأقل- ذلك المكان النائي الذي تستورد الكنزات الصوفية الدافئة و"الباشمينا" الفاخرة منه فحسب بل وطنا مُعقّداً (بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ) يرزح بالمعاناة والألم في كثير من الأوقات، ويبتهج بالألوان البهية في أوقت أقل كثيراً من سالفتها.

 

القصيدة: 

   "نصف إنش الهملايا" واحدة من سبع مجموعات شعرية منها على سبيل الذكر "جولة في دليل الهاتف"، ومجموعة "البلد بلا مكتب بريد" التي تتصل روحاً بالقصيدة التي أحاول ترجمتها من الإنجليزية (بالإضافة إلى القصائد الأربع المُلحقة) ونستعرضها معاً هنا، وكيف أنَّ عدم مكتب البريد يمثِّل هوية البلاد المسلوبة. شاهد أعاد تسمية المجموعة إذ أرادها أن تكون "كشمير بلا مكتب بريد" مبدئياً، وعدل عن ذلك بالإشارة إلى البلد فحسب. عندما يتضامن شاهد مع الإنسان الكشميري في قصائده، وهو لا يحمل بين جنبيه سوى الصدق، فإنه يتضامن مع الإنسان أينما كان، وبالتالي تصبح كشمير تلقائياً الوطن (أي "البلد") الذي يمثل الإنسان أينما كان ذلك الوطن. وهنا يصعب إغفال شهادة إدوارد سعيد بهذا العمل الذي وصفه "بالإنجاز الباهر" في سياق تجسيده للتجربة وللقيم الإنسانية العالمية. فلنعد إذاً إلى القصيدة:

 

بطاقة بريدية من كشمير

 

كشميرُ تنكمشُ في صندوقِ بريدي

وطني أربعةٌ في ستةِ إنشاتٍ أنيقة

 

كم أحببتُ الأناقةَ دائماً

والآن أحملُ نصفَ إنشِ الهملايا في يدي

 

هذا هو الوطن

وهذا أقربُ ما سأكون للوطن

عندما أعود،

لا الألوانُ ستكون براقة هكذا،

ولا مياهُ "الجهلوم"[1] صافية كذا،

ولا زرقاءَ كهذه،

ولا حبي مفضوحاً إلى هذا الحد

 

وذاكرتي ستكونُ مشوشةً قليلاً

 

فيها شريطٌ ضخمٌ

بالأبيض والأسود

ليس مُحمّضاً بَعْد

 

   حسناً فعل حين قدم لنا آغا شاهد علي "نصف إنش الهملايا" بقصيدة "بطاقة بريدية من كشمير" كي نُدهش مبكراً، ومبكراً جداً بقصيدة فوتوغرافية ولغة سينمائية من شأنها إثارة الكثير من المشاعر (وسأقول المشاهد) المتباينة. فها هو الوطن يتقلص في صندوق بريده لتتشكل صورة الوطن كاملة في تلك البطاقة الصغيرة الأنيقة المتمثلة في مساحة يمكن تقديرها رياضياً بأربعة وعشرين إنشاً ( أي 6 * 4 = 24 إنشاً). لهذا المنحى الرياضي مدخل قد يجدر ذكره هنا: عُمان، على سبيل المثال، تزيد مساحتها بمرة ونصف فقط عن المساحة الإجمالية لكشمير، لكن ما "يقلّص" مساحة الأخيرة على أرض الواقع هو أن معظم المناطق تقع تحت نفوذ هندية، وباكستانية، وصينية أيضاً!

هل تمثل مساحة البطاقة الصغيرة ما تبقى من مساحة ضئيلة من أرض كشمير؟

   إن الصّدمة الأولى التي نتلقها جنباً إلى جنب مع الشاعر هي الحقيقة المرّة بأنه لن يكون أقرب لتلك القطعة الصغيرة من سفوح الهملايا أكثر من هذه اللحظة، وهو يتأمل البطاقة من بعيد (بحساب المسافات). فها هو قربه الملموس للبطاقة يقربه للوطن أكثر من عودته ذاتها، ولقد قال كثيراً بقليل ما قال.

    فها هي الألوان تتشكل بين بريق وصفاء وزُرقة لمياه النهر، وهو يزعم إنها لن تكون حال العودة كتلك التي يراها في بطاقة – أجمعنا حسابياً على صغر حجمها لكنها تفاجُئنا بالتضاريس، والألوان، والمناظر البهية التي ربما ما توقعنا بوحها من تلك المساحة الضئيلة (ألا تنطق صورة بآلاف الكلمات؟). 

هل "صورة" الوطن من ذلك المهجع البعيد تبدو ملونة دائماً للمغترب المشتاق؟

 وهل يحاول مسبقاً ترويض مشاعر البعد الجارفة كي لا تصطدم بمشاعر العائد الذي لا يرى ما كان يراه هناك من بعيد؟

وهل خفوت الألوان وتشويش الذاكرة امتداد للفكرة ذاتها، ونتيجة طبيعية لها؟

لم يقدم شاهد هذه التساؤلات (وغيرها) لنا مباشرة بل تركها تنساب بهدوء، وبطبيعة الحال لا توجد تأويلات منطقية لمشاعر هذه القصيدة، لكن بقدر ما تلازمنا مرارتها في النهاية كواقع محتوم.

   لقد انتقلتْ القصيدة في تزامن لا خطي - كما رأينا- من الحاضر في مشهد البطاقة، إلى المستقبل في مشهد العودة، إلى محاولة العودة إلى الماضي في فترة المستقبل في مشهد الذاكرة بعد العودة. كثافة اللغة التصويرية التي أوردها بمفردات تقنية بحتة هنا صوّرت لنا ذاكرة "مشوشة" على هيئة " شريط" مازال "بالأبيض والأسود" أي ليس "محمضاً" بعد. هذه اللغة حاولت نقل "صورة كاملة" لنا كيف أن العائد للوطن لن يرى الأشياء ملونة كما كانت تتبادى من بعيد.

 

الشاعر والقصيدة وأنا:

   تعرّفتُ على شاهد عن طريق الروائية الأمريكية دي آر رانسدل، صاحبة رواية "الليالي الآمُورسية"، عندما عرضتْ تلك القصيدة في جامعة أريزونا بمدينة توسان في الربع الأخير من عام 2001. للوهلة الأولى أثارت تلك الكلمات رجفة شتوية قاسية من ذلك الضرب الذي يخترق الإيهاب واللحم والعظام (ما تطلب اقتناء كنزة كشميرية باهضة!)، ودهشة ما سبق أن شعرتُ بها شخصياً في شِعر أجنبي. لقد صوّرت كثيراً من الأحاسيس التي كانت تنتابني بدقة وعفوية، ووجدتُ فيها ذلك الألم الحميم للطريقة العربية في إذكاء الحزن. إذ لكل مغترب "كشميرُهُ" التي يحنُّ لها، ويطمح في تلك الفترة القلقة والمشوشة من الحياة  للوصول إلى شيء من الطمأنينة (أي حالة السلام المؤقتة على الأقل) بين تناقضات الغُربة والوطن. ما شعرت به في هذه القصيدة من قرب شديد، وتقدير لتجربة الشاعر دفعني للتقصّي عنه والتعرف عليه أكثر كي أتفاجأ خلال بحثي بالمصادفة بأنه كان يَدْرُس في جامعة أريزونا ( أي جامعتي) في منتصف الثمانينيات قبل أكثر من خمسة عشر عاماً حينها، واستحق درجة الماجستير منها في الفنون الجميلة. تلك الفترة كانت قريبة من التي أصدر فيها "نصف إنش الهملايا"، ولعله كتب القصيدة في توسان.

   لم أستطع مقاومة فكرة إن آغا شاهد علي كان يسعى على نفس ذلك الحرم الجامعي ويتأنى تحت ظل شجرة ليغالب رغبةً أزلية ماكرة في تحسس شوكات "الكاكتس" دون وخز. لابد أنه ابتسم لـ"مَاونتْ لِيمُون"، الجبل الشاهق الذي تكتسي قمته بحلة الثلج في أغلب الشتاءات، ويحرم المدينة المحيط بها في الأسفل بقليل من النعمة البيضاء. يا للمفارقة ثلج على الصحراء! ويا للفضيحة! جبل الليمون، بلا ليمون، ولا هم يحزنون! لا بد وأنه احتار من "المَانسُون"، موسم الرياح المصحوبة بالأمطار المقلوب في هذه المدينة: في الصيف على غير عادته في جنوب آسيا. لا بد أن أسهمت هذه المناظر "الصحراوية" الملفتة فيما كتب عن صقيع الهملايا! فتوسان هذه صحراوية على الطريقة الأمريكية. لا ترى في تلك الصحراء المزعومة إبلاً بسنامين، كما اختزلته تصوراتنا عن الجمل الأمريكي، أو على الأقل بسنام واحد كنظيره العربي الخالد في ذاكرة السينما النمطية الأمريكية، بل سترى نبتة الصبار تنتشر في الأرجاء بالنمط الذي تنتشر فيه في صحراء الرسوم المتحركة! وللأمانة، فإن شخصياتها (أي الرسوم) لا تبالغ أبداً في تجسيد الألم الصاروخي الباعث للطيران إثر وخز شوكها الحاد!

   ما حدث هو أنني ترددتُ، ولا أعلم سبب ذلك التردد، في مراسلة الشاعر (الذي كان يحاضر في جامعة ماسيسشيوستس وقتها)، وشكره على قصيدة قدمتْ لي جزيلاً من الألم والمواساة. وبدون سبب واضح أيضاً، تغلبتُ على ترددي، وبدأت بالبحث عن بريده الإلكتروني في منتصف ديسمبر من ذلك العام. كنت قد فكرتُ ملياً مسبقاً في عنوان لائق للرسالة التي قررتُ إرسالها. أردت أن أبعث كلمات تميز عنوان رسالتي احتياطاً إذا ما اكتظتْ بين رسائل الخردة غير المرغوب بها، والتي لا يُعصم منها أي بريد إلكتروني. أردتها أن تشد انتباهه فلا يلغيها سهواً مثلاً، فاهتديتُ لفكرة إرسال بطاقة إلكترونية، بدلاً من رسالة إلكترونية، بعنوان" بطاقة إلكترونية من توسان!" لتحاكي عنوان قصيدة "بطاقة بريدية من كشمير". أُعجبتُ بفكرتي آنذاك، وظننتها ظريفة، لكني لم أعِ مقدار سذاجتي، وثمن تأخري إلا خلال بحثي عن عنوان "إيميله". لم يكن خبر وفاته قبيل أيام حينها أقل من صاعقة حطمتني، وأغرقتني بالندم.

توفي في 8 ديسمبر 2001 بسرطان المخ.

   مات آغا شاهد علي عن اثنين وخمسين عاماً ( ليواصل امتداد سلسلة الحتف المبكر للشعراء)، وأخفقتُ أنا– بدون سبب وجيه- في إضفاء نصف ابتسامة على وجهه. ما يعزينا جميعاً هنا هو أن آغا- حسب المُقربين منه، وعلى غير عادة شعراء المنفى- كان مرحاً شخصياً، ولذلك لم يكن بحاجة لبطاقتي بقدر ما كنتُ محتاجاً لبطاقته. ها قد التقينا وما التقينا، وتحدثنا وما تحدثنا. شكراً: للمكان الواحد، وللزمنين المختلفين. شكراً "للجامعة" بيننا.

آهٍ لو أعلمُ مصير تلك البطاقة الكشميرية لدوافع كثيرة أقلها الفضول.

 هل تراها سكنتْ في درج ما بِيع مُستعملاً؟

هل وقعت بين يدين غريبتين، وفمٍ أكثر غرابة يهذي: "وما كشمير هذه؟" فتهمل في سلة ما؟

أم عادت "أدراجها" حيث ينبغي أن تكون: لأصحابها؟

ربما لن يتسنى لي معرفة ما حدث لها، لكن مهلاً قليلاً: ألا تسكنُ البطاقة في ذاكرة القصيدة إلى الأبد؟

   تحدّث شاهد عن تجربة الفقد، وهو من أُطلق عليه لقب "شاعر الفقد" في أكثر من مَحفل، في مداخلة قد تسعفنا في هذا السياق: "حتى عندما كنتُ طفلاً، كان شعوري بفقدان الأشياء مريعاً. كل الأشياء من حولي كانت تختفي: يموت ناس، وتسحق حضارات، وكنتُ أستجيب لمثل هذا الشعور بحنين جارف للحظةٍ حال حدوثها، لأني على يقين بأنها ستُولّي."

 

 

 


 

[1] نهر يقطع كشمير وباكستان