جدليات ما قبل عرض فيلمه الأحدث "سيكو":

"مايكل مور" تحت الشمس في صيف مبكر

  

تتجه الأنظار العالمية إلى مهرجان كان في دورته الستين في الفترة من 16 إلى 27 مايو 2007، وخلالها سيتسنى مشاهدة فيلم مايكل مور الوثائقي الجديد "سيكو"، ضمن القائمة الرسمية للأفلام المنتقاة للمهرجان الفرنسي العريق، وإن كان سيبقى خارج منافسة المسابقة، بناءً على طلب مور، إلا أن عرضه في مهرجان كان سيكون العرض الجماهيري الأول،  قبل أن يعرض تجارياً في الولايات المتحدة الأمريكية ابتداءً من 29 يونيو 2007، في موسم صيفي تشير المؤشرات الأولية إنه سيكون ساخناً، وإن كان من الصعب التنبؤ مسبقاً بدرجة حرارته. الفيلم، وهو الأول بعد فيلمه الأشهر "فيهرنهايت 9/11" (2004)، يتناول إشكالية النظام الصحي الأمريكي الذي تحكم قبضته مؤسسات ربحية عملاقه تتحكم بمصائر الناس وحياتهم، وما يترتب على ممارستها من "قصص رعب" كثيرة على حد تعبير السينمائي الجدلي الذي يرفض، كعادته، الحديث عن أفلامه قبل عرضها. ولعله يرفض ذلك موقناً بأن الوقت للحديث عن أفلامه التي غالباً ما تثير زوابع خلافية كثيرة لن يطول كثيراً بعد عرضها مباشرة. يصف مايكل مور حين يُسأل عن فيلمه المقبل "سيكو" بأنه:" فيلم كوميدي عن 45 مليون أمريكي بلا رعاية صحية في أغنى دولة على وجه الأرض". فيلم "كوميدي" بالمعنى السوداوي والتراجيدي للكلمة، كما يمكن أن نتوقع من مايكل مور.

وكان مور قد وجه في موقعه الإلكتروني رسالة مفتوحة إلى الشعب الأمريكي يطلب منهم كتابة تجاربهم الشخصية المختلفة مع نظام الرعاية الصحية وإرسالها له، أثناء تحضيره للفيلم، وحصل، إثر دعوته تلك، على تجاوب كبير من الجمهور تمثل في أكثر من 19000 رسالة أُرسلت له تطلَّب قراءة "التعاسة التي يعانيها الناس يومياً وتُحدثها تلك الشركات الربحية"، حسب تعبيره، شهراً كاملاً.

إلا أن ثمة علامات استفهام كثيرة وكبيرة يمكن استشرافها منذ الآن، قبل عرض الفيلم، يمكن للمرء إثارتها والتأمل: هل سيهم هذا الفيلم الجمهور غير الأمريكي فعلاًً؟ هل سيرغب المشاهدون في أنحاء المعمورة مشاهدة ما يمكن أن يوصف "بإشكالية داخلية" وسجالاً محلياً يتعلق بنظام صحي أمريكي جائر مثلاً؟ أم أن الشأن الأمريكي سينبغي أن يفهم على أنه شأن عالمي، تلقائياً، في هذا السياق، بحيث تمتد انعكاساته على العالم أجمع؟ أم لأن مايكل مور جدلي بالفطرة، ولن يكون ما يقدمه في هذه المرة أقل جدارة وأهمية من أن يشاهد كما في أفلامه الأولى؟ ألم يتناول شأناً أمريكياً بحتاً في فيلمه "بولنج فور كالومباين"(2002)، عن ثقافة العنف المسلح في أمريكا إثر حادثة إطلاق نار في مدرسة متوسطة بطلها طلاب ضد زملائهم، وحصد جائزة مهرجان كان لأفضل فيلم أجنبي، ونال ما كان وقتها أعلى إيرادات يحققها فيلم وثائقي، وبالتالي فإنه قد خطى في هذا الطريق من قبل؟  لكن ما معنى أن يطرح فيلمه خارج مسابقة كان، التي لدى مور رصيد إيجابي يدعوه إلى التفاؤل (فيلما "بولنج فور كالومباين" و"فهيرنهايت 9/11")؟ هل يمكن أن يشير عدم دخوله للمسابقة إلى أن فيلمه الأحدث هذا أقل جدلية من فيلميه السابقين، وهل هو أقل ثقة من أن يتقدم به إلى المسابقة؟ هل يرغب في أن لا تضع الجماهير عبئ فيلميه الأسبقين على فيلمه الأحدث، كي لا يتعرض إلى مقارنات غير سياقية ستكون غير عادلة على الأرجح؟.

وهكذا لا تنتهي التساؤلات المحملة بكثير الجدل حول ما يمكن أن ينتهي إطلاق "سيكو". إلا أن مور قد أشار إلى أنه لم يُخرج الفيلم ليعرفنا على سوء النظام الصحي الأمريكي، لأن معظمنا يعلم ذلك، لكنه وعد، أنه، كما في أفلامه السابقة، يبدأ من نقطة وينتهي في مكان يختلف عما كان يخطط إليه، ملمحاً إلى مفاجآت مرتقبة.

إلا أن المفاجأة الأحدث هو قيام السلطات الأمريكية بفتح ملف تحقيق ضد مور قبل أسبوعين من العرض الأول لفيلمه في كان، بسبب "قانونية" الرحلة التي  قام بها إلى كوبا أثناء تصوير الفيلم، ورافق فيها المتضررين من عمال الإنقاذ في أحداث سبتمبر 2001، كما يشاع وما لم يتم تأكيده، في حين تفرض الولايات المتحدة الأمريكية حظراً على السفر إلى كوبا، وتطلب من مواطنيها استخراج رخصة قبل ذهابهم إليها. ورد مور بأن توقيت هذا التحقيق مُدبر من قِبل الإدارة الأمريكية، المدعومة من قبل شركات الرعاية الصحية القلقة بدورها من إمكانية زعزعة موقفها أمام الناس في الفيلم، وهي، أي الإدارة، تعلم عن رحلته منذ فترة، وإنه فعل ما لم تفعله نفسها، أي مساعدة من عجزت الإدارة عن مساعدتهم. كل هذا يحدث ليدلل على أن جدل مايكل مور مستمر مع كل عمل يُقدمه، بل ليؤكد أيضاً أن حُمَّى فيلم "سيكو" بدأت فعلاً مبكراًً في هذا الصيف.