|
نزعة أزلية لقضم الغواية..
"ما أشهى تفاحك يا عُمان، إنَّ تفاحة واحدة لا تكفيني." مقطع من أغنية سواحيلية من قصة "رسالة إلى PEMBA" لسالم آل تويّه
تفّاحة تلينجيتية
(1) ربما يتكشّف لنا أن "التلينجيتية" (إن صحّتْ الترجمة) ليست لغةً معقدةً تماماً؛ وإلا لما استشعرنا قصيدة مكتوبة بلغة أجنبية أراهن أنَّ معظمنا لم يسمع عنها من قبل. وبعيداً عن رهاني، فإن من كسبتْ رهان الشعر هي نورا دايونهاور، الشاعرة الأمريكية القادمة من صقيع الألاسكا، والمنحدرة من عائلة تميّزت في فن النحت والزخرفة الخرزية. لا غرو، في الحقيقة، أن تتمخض هذه القصيدة التشكيلية من هذا الرحم خصوصاً أن نورا نفسها لُغويّة ضليعة في لغتها الأم.
وعلى الرغم من إنه جاء على لسان الشاعرة أنَّ التلينجيتية لغة مُعقّدة للآخرين (بالقدر الذي كانت فيه الإنجليزية عصيّة عليها حين استقتها في سن متقدمة) غير أنه يمكننا – بصرف النظر عن خلفيتنا اللغوية- من خلال ثلاث مفردات (عسقول، تفاح، دودة) "رُسمت" في قالب شعري غير تقليدي التواصل مع هذه القصيدة التي انطلقتْ من إقليمية اللغة إلى عالمية المعنى. أي أنَّ اللغة لم تشكل عائقاً تقليدياً – في مُفارقة طريفة غير معهودة- بل وسيطاً أميناً استطعنا من خلاله الالتحام الإنساني مع كائن مجهول.
ربما لم تكن المرة الأولى التي (تتمرد/يتمرد) فيها( شاعرة/شاعر) على شكل القصيدة، أو على كيف "ينبغي" على تلك القصيدة أن تكون، لكن الأدهى أنَّ هذا التمرد يمتد ليشمل لغة القصيدة (التي هي موجّهة بثقة مطلقة نحو كبد قارئ لا يُلّم بها!). علينا، في اعتقادي، قبل الاسترسال في مسألة اللغة الإشارة الخاطفة إلى قضية غير محسومة (ربما لأنها لا يمكن أن تُحسم)، وهي ما الذي يجعلنا نثق بأن هذه حقاً قصيدة وليست "شيئاً آخر"، ولا أعلم حقيقةً إن كان بالإمكان تقنين الشعر واستسهاله بأن نتوقّع القالب اللغوي والكلاسيكي الشكلي للقصيدة (أليس "للقصيدة" أن تباغتنا كيف ما شاءت، وأليس لنا أن ننحني – عن طيب خاطر- إجلالاً لها عندما "نشعر" بذلك؟).
وإن عُدنا إلى القصيدة، فثمة حرص شديد من الشاعرة على إظهار جَمال لغتها (وجدير بقارئ لا "يستسيغ" هذا النوع من التفاح أن يستمتع بها بصرياً على أقل تقدير!). ومن البديهي الإقرار بأنه كان بميسور الشاعرة التعبير عن القصيدة بالإنجليزية (وهي تتقنها شعراً في بلد يُعتبر قطباً من أقطاب هذا اللغة)، لكنها تصل إلى جمهور أكبر وأعمق من الناطق بالإنجليزية بثقتها –الفَطنة- بأن لغتها، القصيّة، غير المألوفة، لا تقل قدرةً على استيعاب ونقل تلك المشاعر التي قد تثيرها قصيدة (أيُّ قصيدة) مكتوبة بلغة "مألوفة"، وبأن حاجز اللغة ليس إلا وهماً يشيده الشكلانيون في أذهانهم ويحاولون بثه فينا. إذاً هل يمكن أن نقرأها قصيدةً ساخرةً من اللغة وكل ما يثار حول لغة الشعر؟ هل الغَلَبَة "للصورة" الشعرية الإنسانية التي لا تلتزم بظروف لغة، بل بالإنسان؟
أتساءل إن كنا سنستشعر القصيدة بنفس الدهشة عندما تصطف الحروف (أفقياً وعمودياً) لتشكل الثلاث كلمات بلغة أخرى كالعربية مثلاً؟
وإذا سمحتَ لي، أيها القارئ الكريم، بالتمادي في شحذ الاستفهامات والسؤال عن المدة التي استغرقتَ لتلحظ "الدودة" المستقرة في الجزء السفلي من "التفاحة"؟ لعلكَ استغرقتَ عدة ثوانٍ فحسب، ويصبح السؤال في الحقيقة هو، هل يمكننا أن نصرف النّظر عن الدودة بعد أن نكتشف وجودها، أم نظل مُحدقين فيها، وملتزمين بحضورها، كلما أمعنا النظر متجاهلين كل ذلك القدر من "التفاح" المحيط بها؟! ربما تحاول القصيدة أن تلفتَ انتباهنا إلى أنفسنا، وكم من الثواني بإمكاننا أن نصمد (إيجابيين) أمامها قبل أن تغمرنا سوداوية العالم. وحينما "يختار" الإنسان الالتفات لدودة ما، ويتجاهل مظاهر اللذة المحيطة بها، يُطل علينا، من جديد، سؤال الإيجابية/السلبية الكلاسيكي (هل ترى كوب الماء نصف ممتلئ أم نصف فارغ؟).
والتفاحة –في حد ذاتها- ترمز منذ القديم الغابر في كثير من الثقافات (بما فيها ثقافتنا) إلى الغواية والشهوة المُحرمة (وفي هذا العام، استشرتْ لدى العرب فواكه أخرى ثائرة على استئثار التفاحة لهذه المكانة كبرتقالة علاء سعد، و"المشمشة"، وعودةً إلى "التفاحة" مرة أخرى بعد الإفلاس حتى من استهلاك فواكه أخرى مُتاحة). لكن في هذه القصيدة أتصوّر اختباء تلك الدودة - بشيء لا يخلو من الخبث- عمودياً في القَعر (وليس في مكان آخر) يُغذي ذلك الاتجاه الإغوائي بأن هذه التفاحة الشهية مبدئياً، لن تكون شهيةً تماماً، حينما تصل إلى قعر لذة الالتهام. *** (2) ما زالتْ تستفزني، اليوم، دلالة سلبية عن التفاحة عشعشتْ في رأسي منذ أيام الطفولة الأولى، فلشدّ ما كرهتُ تلك الترنيمة (التي يُفترض، بشكل أو بآخر، أن تكون تحبيبية)، وكلماتها تصطدم بعنف في طبلة أذني:
"-من فتح الثلاجة؟ من أكل التفاحة؟ أنتَ يا سمير؟ - لا - أنتِ يا سُعاد؟ - لا - كل الحق على الأولاد."
ولأنني كنتُ "ولداً"، من هؤلاء "الأولاد"، فقد اعتبرتُ الجزء الأخير منها اتهاماً مجّانياً فادحاً لي وأقراني. فالمُحقِّق السائل (ذكراً كان أم أنثى) قد وجه سؤالاً مُباشراً في أمر فتحِ الثلاجة، وأكلِ التفاحة لسمير وسُعاد (نلاحظ أنّ التلميح المُبطن من تقديم السؤال لسمير على سعاد، في حد ذاته، يحمل في طياته بوادر إدانة مُسبقة!). وكما أنَّ إجابة الطِّفلين كانت متطابقة، فإن "المُحاكمة" تصل إلى حكم في غاية الطيش، في رأيي، مفادهُ أنَّ " كل الحق على الأولاد" (الذكور بلا شك، لأن في العربية جمعاً للمؤنث "السالم"– من الاتهام هنا- لبنت يُدعى البنات لو الأمر يتعلق بإدانة البنات، لكنه لم يكن كذلك حتماً). وهكذا استقر في خَلدي أنَّ التفاحة (المأكولة) كانت سبباً لتهمة متحيزة ضد معشر الذكور لا بد لها أن تُستأنف في يومٍ ما. تخيلتها، دائماً، تفاحة حمراء في ثلاجة صدئة خاوية من أي شئ غيرها، وإلا لما كانت تلك الزوبعة التي أثارها اختفاؤها، وهذه الزوبعة التي أُثيرها كردة فعل طبيعية لما عنته لي تلك الترنيمة!
كتمتُ ذلك الهاجس طوال تلك السنوات لنفسي، ولكن قبل عامين بينما كنتُ مع ثلة من الأصحاب نمتطي صهوة سيارة "جِيب" مُتداعية، ولما اخترقنا مسالك وعرة تتقلب الأكباد من انحناءاتها، وتطقطق العظام من الارتطام بها، في بهاء جزيرة "بُوكيتْ" الساحرة، وبدون سابق إنذار، استيقظ هذا الهاجس في داخلي وراق لي أن أنقله دون تحفظ للرفاق في تلك اللحظة المُباغتة. كنتُ (ومازلتُ) على إدراك تام، أي بكامل قواي العقلية، وأنا أطرح "قضيتي" أنها لن تلاقي إلا القهقهات الساخرة، والإيماءات التهكمية الممزوجة بالتعليقات المستخفّة بعقلي. أظنُّ أنه لم يكن يعنيني حينها سوى أن أُكلّل تلك اللحظة المُترفة بالمزاج، والمرء ممتلئ الرئتين بالهواء الرطب في أقصى الشرق، بجدال (قد يكون اعتباطياً لغيري) يتعلق بتأويل ترنيمة طفولية.
ما قرره أصحابي وقتها هو إنني أسأتُ كثيراً في فهمي، وأطنبتُ في فلسفتي، وأسرفتُ في سوء ظني عن الترنيمة البريئة؛ فالمقصود بالأولاد هم سمير، وسعاد معاً (وذلك أكثر إجحافاً، لأن الأحكام، بذلك، تطلق جُزافاً على الجميع!) أو ربما ثمة أولاد آخرون (في مكان ما) لا يتيسر لنا التعرف عليهم من سياق الترنيمة القصير، لكنهم، في الوقت ذاته، يتحمّلون إثم التفاحة! وما أتى جمع "الأولاد" إلا ليتناغم مع "سُعاد" كلازمة من لوازم المُحسنات اللفظية. أيأتي هذا التضليل اللغوي لحساب السجع (وعلى حساب المعنى) بعد كل شيء؟ *** (1+2=3) مهما يكن من أمرٍ في تفاحة سمير وسُعاد التي لم آكلها على أية حال، فإنني لا أعلم، يا نورا دايونهاور، إن كان بمقدوري بعد اليوم أن التقط تفاحة حمراء، دون أن ابتسم لها بشيء من التوجس، وأدنو نحوها ببطء وأوشوش: "هل ينبغي لي أن أعرف شيئاً قبل أن ابدأ؟".
|