|
في محبة شرب القهوة
اشربْ قهوةً.. قهوةً مُرَّةً، لكنَّها حلوة، واشرب قهوةً حلوةً، أي بالسُّكَّر محلاة، وتصبح طعماً أيضاً حلوة. اشربْ قهوةً عربيةً، بمعنى قهوة عُمانيَّة بالزَّعفران والهيل، ولا تهزَّ الفنجان، واشربها ببطء، ودع السَّاقي يترنَّح ويهتزُّ في وقفته، ذات اليمين وذات الشمال، حين يحاولُ أن يريح رجله اليسرى بالوقوف على الرِّجل اليمنى، أو اليمنى حين يعتقد أنه سيريحها باليسرى، وأنت تفكِّر في الفنجان الثَّاني، حينما تشرب الأول، حيث يظهر مشروع الفنجان الثَّالث، علناً، وفجأةً، لتُباغت بها السَّاقي الضَّاجر الذي كان يتوقَّع أن فنجانك الثَّاني قد كان الأخير. اشربْ قهوةً تركية سادة، قهوةً تركية مضبوطة، دون أن يكون الذي "يُضبطها" من تركيا، أو زارها، أو تعلم منها صنع القهوة. اشربْ الـ"كابتشينو" المعبأ في أكياس ممتلئة ببودرة الحليب والسُّكر وقليل من نشارة القهوة، حيث يكون المشروب النهائي مختلفاً في كل مرة عن الذي أعددته من قبل. اشربْ قهوةً فورية من بين أيادٍ تضعها خفية في الماكينة، قلما تصادف وجودها لتشتكي لها عن المزيج الذي تقوم الماكينة بتحضيره، مزيج كثير السُّكر، والذي لا يبدو أبداً أنه يقارب صورة محتوى كوب القهوة اللذيذة على واجهة الماكينة، حيث الصُّورة تعدُ بأكثر ما يمكن أن يفي به النِتاج النِّهائي للمشروب، وتشعرُ للمرة غير الأولى أن الصُّورة تستغفلك، بعد كلِّ قرار للشراء، وقد ألح عليك نقص الكافيين كثيراً لإقناعك بأنه سيكون، تمنياً، قريباً هذه المرّة من شكل الصورة. كن عالمياً، واشربْ قهوة تُسمى "أمريكية"، برازيلية البُنِّ، يُعدُّها فلبيني، وكن العُماني الذي يشربها. اشربْ "اسبريسو دبل"، وراهن أن أحداً لن يستطيع أن يقترب منكَ أو يكلمكَ، دون أن تودَّ أن تقفز عليه، أو مقاطعته (أو معانقته)، أو استنتاج واعتقاد ما لم يكن يريد قوله أساساً، حيث كل الذي يحرِّككَ، بعد شربها، كنتَ تختصره، حينما لا تشربها، بهزَّة رأسٍ صامتةٍ وموافقةٍ إيجابيةٍ على ما يقوله الشَّخص الآخر. اشربْ "كراميل مكياتو"، واختبر ذوقكَ، وتعرَّف على طعم القهوة الفعلي في مزيج الرَّغوة والفانيلا والكراميل، حيث تستطعهما في النِّصف الأخير من الكوب الذي أصبح نصفه فارغاً، والنِّصف الآخر ممتلئاً في بطنك. اشربْ "موكا" بعد السَّادسة مساءً، وابق مُستيقظاً طوال اللَّيل، لستَ نادماً على شُربها في ذلك الوقت، بل لو أنكَ شربتها قبل السَّادسة لكان يمكنكَ أن تشرب كوبين منها أو يزيد. اشربْ قهوةً مُثلَّجة تُسكن هدير القلب الخافق من نقص الكافيين الخانق في صيف حارق. اشربْ قهوةً منزوعة الكافيين، حينما تريد أن تشربَ شراباً دافئاً مُراً، لدفع الضَّرر واستبعادِ المنفعة، حينما لا تريد أن تتحمَّل تبعات شُربكَ لها، وتُوهم نفسكَ بأنَّك في نهاية الأمر، مهما كان ذلك، أنكَ شربتَ قهوة تحبُّها. |