|
ما يحدث عندما لا نموت تماماً..! عن "ميت" سالم آل تُويِّه
ليس الوقت متأخراً جداً للحديث عن "حَدَّ الشُّوف"، المجموعة القصصية الثانية للقاص العماني سالم آل تويه، التي أتت بُعيد "المطر قُبيل الشتاء". ولأن حديثاً مُنصفاً ينبغي أن يطول عن ما يجعل هذه المجموعة استثنائية في عوالمها المتباينة والساحرة لتمثل مرآة تجربة آل تُويِّه الحضارية والثقافية (واللغوية أيضاً)، فإنني سأجحف حقيهما، أي المجموعة وكاتبها، واكتفي بمحاولة تسليط "الضوء"- سامحني يا سيِّد "محمود علي"!-على قصة "الميت"، وأدعو المتذوقين، ممن سيكون لرؤيتهم استبصار لمكنونات "أقصى ما يمكن أن يُرى" من زخم تجربة "حَدَّ الشُّوف"، إلى مزيد من الاحتفاء المتأني بالتقنيات السردية الثرية لهذه المجموعة.
في القصة، يتدلى فوق السِّيد "محمود علي" مصباح يسكب ضوءًا مزعجاً على ناظريه، وشعور إنساني كالانزعاج من الضوء مثلاً يكون مألوفاً بين الأحياء، وكونه يأتي من ميت (مشكوك في مدى موته)، فذلك يهيئنا أمام تجربة مثيرة ومغامرة استثنائية –للأحياء منا على الأقل – ممن لن يتسنى لهم فرصة الحديث عن موتهم لاحقاً. لكن الأمر معقد قليلاً، فليس السيد "علي" ميتاً تماماً (إن صح التعبير)، بل على بعد غمضة عَينين من موت قريب، وهذا المصباح، الذي تندلق أضواؤه على عينين مفتوحتين، لا يملك صاحبهما أن يغلقهما للمرة الأخيرة، يجبره على استرجاع شريط حياة " كانت بطيئة ومضجرة". وهكذا حرفياً، تقسو الحياة كثيراً على المرء فيضطر إلى أن يشهد تفاصيل حياته البائسة "بأم عينيه". وبالتالي، فنحن نتعامل مع نصف ميت (أو هو نصف حي؟) كل ما يبتغيه الآن هو "رصاصة الرحمة" الأخيرة بأن تُغلق عيناه ليكتمل موته تماماًً، ويتخلص من هذه الورطة.
خلال هذه الرحلة، نحو موتٍ مستعصٍ وبطيء، تستمر معاناة السيد "علي" (المُغترب أساساً) وتتخذ بُعداً اغترابياً آخر؛ فجميع ما حوله يتشكل كمُذكّرات قاسية لكم هو بعيد عن الحياة التي تجري من حوله (وكان قبل قليل جزءًا منها) ابتداءً من رنات الهاتف والرسائل الصوتية المتكررة التي مثلت وسيلة الاتصال الأولى بعالم الأحياء، وطرقات الأبواب، ورسائل البريد وغيرها. هي لا تذكره بذلك فحسب، بل تؤكد عجزه عن القيام بشيئين متضادين: عجزه عن الانسلاخ الكلي من عالم يكرهه، أي عالم الأحياء، وعجزه عن الولوج في عالم يتوق إليه، وذلك عالم الأموات.
إن حساسية الميت "المفرطة"، التي قد تندر في كثير من الأحياء، والتقاطاته السمعية (كصوت "إيما"، في الرسالة الأولى، الذي يأتي مصحوباً بصوت العربات والمارة في الخلفية ما يدلّل على إرهاف سمعي مُركّب) بالإضافة إلى المشاهد البصرية الحية (سواءً كانت في ما يسترجعه من ذاكرة في الماضي، أو ما يكابده من ضياع الآن، أو ما يتوقعه من ردة فعل عند عودة "إيما") تشعره، كما تشعرنا كقراء، بقربه للحياة - وهو ميّت جدلاً- أكثر من الموت ربما!
بالمقابل، قد نلاحظ أنّ الحياة من حوله لا تكتفي بالإهمال والتجاهل المتعمد لمسألة موته، فتمضي في طبيعتها، بل تتوقع منه، زيادةً على ذلك، أن يكون حياً مستجيباً (حيث يتكرر اسم "علي" إحدى عشرة مرة)، وكأن لسان حالها الاستفزازي يقول: "يا علي، ينبغي أن تكون حياً بما فيه الكفاية لتجيب على مكالمات إيما ورسائل المستشفى وطرقات محمد السوداني، لكنك -ببساطة لستَ كذلك!". إنها غربة ينتمي المرء فيها إلى ما لا يمكن الانتماء إليه، كما عبر عنها السيد "علي":"أنا الآن ميت فكيف أعيش في عالمين!".
لكن على الرغم من إنه عالق في زنزانة الحياة والموت معاً في تلك اللحظة، فإن فضوله للحياة وحنينه لها (كالثلج وجاره "براون" السّكير، ومحطة القطار التي تستقلها رفيقته "إيما" وغيرها من صور سريعة) بكل ما فيه من بساطة وتفاصيل يعمّق إنسانيته المرتبط بها، ولو عانى من مرض و كدر وأذى منها، ما يدفعني لقراءة نهاية القصة على وجهين: الأول أنّ "علي" لن يستطيع أن يطلب من "إيما" غلق عينيه بسبب عجزه "كميت" عن القيام بباقي الأشياء من رفع سماعة الهاتف وقراءة الساعة وفتح الباب. والثاني إنه لا يستطيع طلب منها ذلك لأنه يعلم متى ما حدث ذلك فهو سيموت تماماً، ويبتعد حقاً، عن عالم كان تعيساً لكثير من الأوقات، لكنه كان أيضاً جميلاً للحظات في الذاكرة، كواحدة من تلك التقلّبات النفسية العديدة التي تفاوتت بين تشبث في الحياة، كمنادمة طارق الباب مثلاً، وبين نقيضها السريع، كالرغبة اللحوحة في الموت حالاً، وتماماً.
أتصور أنَّ تمكُّن سالم آل تُويِّه في "الميت" يتجلى في مقدرته على خلق شخصية مستحيلة ومقنعة في آن واحد لتقترب من كونها شخصية سينمائية بطولية دون أن تضطر إلى القيام بفعل بطولي ينتزع تعاطفنا (أو يستجدي شفقتنا)، بل تكسبه طوعاً، دون شعور منا، لأننا ببساطة لا نملك إلاَّ أن نبادلها الصدق.
"الميت" نص وفِّق كاتبه في أن يكون بسيطاً دون أن يبدو سطحياً، ومُعقّداً دون أن يصبح مُبهماً فلا يفلت زمام النقيضين من بين يديه. سالم آل تُويِّه قاص فَطِنٌ ومُغوار، ولا بأس إن جار الزمان قليلاً على تجربته في "حَدَّ الشُّوف"، لأن الزمان، نفسه، سيُنصفها لاحقاً.
|