عن القاص في الثقافة الشعبية

 

لنكن واقعيين. إنه من المريح - وأنت في عُمان-  أن يُظَن بأنك شاعر في حين أنك تكتبُ القصَّة، والجملة الإستطرادية الشارحة: بأن للشعر في وجدان الشعوب العربية أهمية إعتبارية (بنهجٍ غير واعٍ بالضرورة) ليس سببه تقديراً لمكانتة الشعر الإبداعية أو مكتسباته التاريخية، قد تكون زائدةً، وليست بحاجة للتذكير بأن "الشعر ديوان العرب" حسب الثقافة الشعبية، مهما حاول معشر الكتاب (ومنهم القاصون) تحجيم واختبار هذه "المسلمة" التي تتخذ هيئة حقيقة واقعة، دون أن يكون منطلق دوافعهم المقارنة بين النوعين الأدبين أو تفضيل أحدهما على الآخر، ولكن من باب التأمل وعدم التسليم المطلق لما هو مُسلَّم به. والشِّعر، حسب هذا النهج بالنسبة لكاتب قصة، أيضاً – لمَ لا؟ - يُكسب "ميزة إضافية" كما في أدبيات التسليع ومفردات العالم الحر والقرية العالمية. 

كنتُ في السَّابق، أصححُ من يذكرني في سياق الشِّعر وأهله، أو يسألني عن آخر قصيدة "كتبتُها"، أو عن أخبار الشعر والشعراء، متفهماً أن السائل يقصد أن يقاربني بسؤاله الحميم عن شيء يفترض أن يكون ضمن أولوياتي أو في صميم إهتماماتي أو كتابتي، فيكون ردِّي:"ما أنا بشاعر. أكتب القصص أحياناً فحسب، وأخبارها – أي القصص- جيدة، حسبما سألتُ آخر مرة."، حيث يُشكِّل هذا الرد صدمةً لدى السائل، يتبعها شعور بالإرتياب، لا يمكن أن تتجاهله من نظرات العينين، مفاده على الأرجح "ما هذا الذي تكتبه وتنشره إذاً؟"، متغافلاً الجملة التصويبية التي أقترحتها في ردي، وأحياناً يعود الشخص ذاته، في مرة قادمة، ليسألني بذات التسلسل لآخر محادثة عن آخر قصيدة "كتبتُها"، وعن أخبار الشِّعر والشعراء، ما يدفعني إلى مجاراته ومسايرته مكتفياً بالإبتسام وهز الرأس، وربما أتى في ظني شعور بالخيبة الساخرة  لعدم مواصلتي كتابة الشعر ما دام الأمر هكذا. لا أظن أن سبب مثل هذه الحوارات المكررة خطأ عرضي في توصيف أو تحديد ذلك الشخص لنوعية الكتابة التي أكتبها، بقدر ما هو ترسخ لصورة الشعر في خلد السائل بحيث أن حديث الشعر هو أول ما يمكن أن ينسبه لمن يمارس فعلاً الكتابة أثناء لقائه به. فلا أذكر أني نشرت "قصيدةً" واحدةً، في الصحف العُمانية، من تلك التي كنتُ أكتبها واحتفظ بها في درج مكتبي، أو أجمعها مع سابقاتها في كتيب منزلي، أو ربما أطلعها على صديق لينقحها أو استشيره في وزن القصيدة أو تركيبها، منذ زمن ليس بقريب، وقد توقَّفت لحسن حظ القراء عن تلك الكتابة (التي لم يطلع معظمهم عليها، وفي ذلك حسن الطالع)، كما توقفت عن استشارة الأصدقاء فيها أيضاً، فليس بوسع المرء أن يخسر الفريقين معاً: قراءه وأصدقاءه. لم تفلح، كما يبدو، قصص مجموعة "الذاكرة ممتلئة تقريباً"، المنشورة جميعها في الصحف المحلية، فضلاً عن أنها صدرت في عُمان، في ترسيخ صورة الكاتب القاص عني بشكل قاطع، ولا يبدو أن  المشاركة في إعداد كتاب "سعفة تحرك قرص الشمس"، الذي تضمن مقالات نقدية عن بعض المجموعات القصصية العُمانية، قد نالت أكثر حظاً من الكتاب الأول، ولا عملي بدور "نائب رئيس أسرة كُتَّاب القصة في عُمان" (أليس هذا الدورُ بالتوصيف الرسمي المسهب كفيلاً بتصحيح الصورة ؟!) لمدة عامين (2007 - 2009) بإبعاد صفة الشعر وإلصاق القص بكتاباتي بشكل جذري. كل هذا، وأنا لا أكتب، حسب ظني، قصصاً تنتحل لغتها صفة شعرية مُلتبسة، ولكن مهما يكن الأمر، فإن ليس ذلك بحديثنا الآن.كما لم تُجْدِ كذلك كتابة مادة عنوانها "كيف تعلم أنك تستمع إلى رأي نمطي عن قصتك القصيرة؟" التي نشرت في ملحق "أقاصي" المختص بالقصة، بذات القدر الذي لم تنجح فيه بطاقات التَّعريف التي صممتُ أن تُلحق، بكل وضوح، صفة "قاص" باللغة العربية، و"كاتب قصة قصيرة" بالإنجليزية حين أتعرف إلى شخص أو يتطلَّب الأمر تواصلنا فنتبادل البطاقات التعريفية. ثمة من سيذكرك بصفة هي أبعد من أن تكون صفتك، ولا يمكنك، فيما يبدو، أن تفعل شيئاً حقاً حيال ذلك الأمر، ولا يمكنك إلا أن تكف عن مقاومته.

 

لا يبدو أن لصفة القاص وجوداً خاصاً بها بالمعنى اللصيق والحقيقي في ثقافتنا الشعبية المعاصرة؛ الثقافة العامة، ثقافة المجالس والسبلات، ثقافة رجل المجتمع والقبيلة والشارع، ثقافة طفل الحارة، ومفردات أب الأسرة،  ولهجة العمة في البلدة. وإن وجدت، فإنها صورة ضامرة، تتخذ صيغاً مُلتبسة وغير دقيقة، لا تكف عن بث مشاعر الإحباط والخذلان للقاص لأنها لا تعبر عنه، أو عن كيانه الخاص به، كما يبتغي وكما ينبغي، ولا عن أجوائه المتفردة، كما تتطلب، أي الصورة، بالضرورة تفسيراً لماهيتها، وهي قريبة من أن تطلب إعتذاراً ضمنياً من القاص عن فنه، وفي أحسن الأحوال قد تكون مُشوهةً وتعني غير الذي هي عليه أساساً: فالقاص ليس بشاعر، حتى وإن كان القاص نفسه شاعراً في زمن غابر، أو مشروع شاعر أو أصبح يكتب شعراً الآن، فهو ليس بشاعر في حضرة السَّرد، وحينما يكتبه. والقاص لا يكتب روايات بالضرورة، وإن كان قد يكتبها أيضاً، لكن لا يمكن أن توصف كتاباته القصصية – بداهةً- بالروايات، ما لم يقم هذا القاص بكتابة روايات ستجعل منه روائياً. ولعلنا لا نتحدث إلا عن البديهيات التي أمست حتميَّة بسبب إستمرارية ظهورها وتكرارها. وعلى الرغم من أن الطرح السابق يقترح حالة عامةً، قد تتطلب دراسة تحليلة متعمقة، إلا أن الملاحظة الأعم في سياقها الخاص تجد أنه قلما نرى كاتباً يُعرِّف نفسه (أو يعرَّف، في حال تواضعه عن فعل هذا الأمر بنفسه) في المحافل غير الأدبية أو الثقافية بالضرورة  بأنه "قاص" وحسب. ثمة جمل شارحة لاحقة ستبرر وجوده، وكتابته، ومشروعه، قد تصدر بوعي أو لاوعي من الكاتب نفسه أو من الشخص الذي سيتكفل بمقاربة هذه الصفة إلى الحاضرين. لذلك نجده يتستر تحت مظلة "كاتب" المتعارف عليها ضمنياً، والتي ستكون أكثر موضوعية من "قاص" التي قد تثير عدة أسئلة غير مرغوبة فيها. طبعاً قد يحدث ذلك ما لم يستأنف الحاضرون التندر على عمله، في السرد القصص، والإختصار المفحم للكتابة القصصية على أنه "قَصّْ على الناس"، أو في بعض اللهجات المحلية "قَسّْ على الناس"، أي خداعهم، الأمر الذي لا يمكن مطلقاً  أن يفهم بأنه ينتمي إلى حزمة المجاملات الإجتماعية التي تلازم مثل هذه المحافل. لسبب ما، لا ينظر إلى القصِّ ( بمعناه الأدبي الذي أسسه تشيكوف وموباسان ، لا بمعنى السرد الشفاهي للحكايات والحواديت ) على أنه عملٌ جاد، حسب المنظور الشعبي لثقافتنا المعاصرة، وعند هذا الحد ينبغي أن لا نتوقف عن الإستقصاء وإثارة الأسئلة الشبيهة.