|
موسيقى الكتابة (1/2)
قاسم حدّاد أعدّه للنّشر وقدّمه: مازن حبيب
من ضمن فعاليات الملتقى الأدبي للشباب العربي بالبحرين "صفحة جديدة" الذي أقيم في الفترة من 20 ديسمبر إلى 26 ديسمبر 2005 بتنظيم من مؤسسة المورد الثقافي، التقت مجموعة من الكتاب الشّباب العرب بالشاعر البحريني قاسم حداد الذي اقتسم معنا، على طاولة الكتابة، أفكاره وقلقه المتعلق بموسيقى الكتابة العربية الجديدة في ظل علاقتها المرتبكة بكلاسيكياتها المرتبطة بالتراث العربي. أستعرضَ في هذا المقال جملة من هذه الأفكار الهامة، وفي الجزء الثاني من هذه المادة، سأحاول صياغة بعض المقترحات والأفكار العامة التي تمخّضت من خلال الحوار المفتوح سواءً ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بما تقدم من آراء، أو ابتعدت جزئياً أو كلياًً عنها، لكن ليس بعيداً تماماً عن تجربة الكتابة الإبداعية وتداعياتها.
الموسيقى أسبق من اللغة، اللغة أسبق من البحور. * الموسيقى فطرة بشرية، كما أن اللغة فطرة بشرية، هما فطرتان تشتركان في خصائص، مثل النقرات والإيقاع، والنبر، أو الوزن، والرقص. * وإذ كانت الموسيقى واللغة طبيعة أولى في الإنسان، فمن المتوقع أن يتأسس العروض العربي ويصدر عن تلك موسيقى، كما لو أنها الصنيع الإلهي الذي خصّ به البشر. * عندما أتكلم عن الموسيقى والإيقاع هنا، فإنني لا أقصر ذلك على الشعر في القصيدة فحسب، لكنني أعني، في العمق، الكتابة الأدبية عموماً، ففي كل نصّ ضرب من الموسيقى على المبدع ابتكارها، وعلى القارئ اكتشافها. أكثر من هذا، فإن جميع أشكال التعبير الفني لابد لها أن تنطوي على حس إيقاع خاص، هو في الجوهر، التجلي الموسيقي لآلية النوع الفني وشرط جمالياته. * لم تزل الكتابة العربية، الشعرية خصوصاً، ترتبك كلما واجهت فكرة الموسيقى في النص. وسوف يذهب الكثيرون إلى الموسيقى بمعناها العروضي الذي صاغ قوالبه الخليل بن أحمد مقترحاً اجتهاده التقني، لتوصيف المنجز من شعر العرب، فيما يتريث كثيرون أيضاً، لينتبهوا لضرورة الرحابة الفنية التي يتطلبها مفهوم الموسيقى، وهو مفهوم يتبلور مع متغيّرات التجارب الشعرية، في النص والزمن وتحولات حساسية البشر تجاه الإيقاع الشعري، كروح خاص تقترحه موهبة الشاعر، بناء على الجوهر الغامض بين الشخص واللغة في الكتابة الجديدة دائماً. * وعندما يحتدم الجدل بين هذه المفاهيم، فلأن اختلافاً واضحاً لمصدري المفاهيم: يتكلم الطرفان من منطقتين، ومنطقين مختلفين. السابقون يصدرون عن وهم أن الموسيقى هي عروض الخليل فقط وأن الشعر هو (الكلام الموزون المقفى)، ولديهم الحق الواقف في مكانه. والمجددون يذهبون، إلى حلم مشروع يحرّر الشعر من القيود، فيبالغ بعضهم في نفي الإيقاع من الكتابة، حتى يكاد يصل بعضهم إلى نص صامتٍ أصم، أجمل منه النثر الخالص، ولديهم حق قلق لا يقف في مكان. * في الشعر ليس ثمة قيود في الكتابة، لكن من المؤكد أن هناك قوانين تقترحها طبيعة الفن، وعلينا أن نحسن تأمل هذا القلق بوصفه أملنا المتاح. *
هذا القلق الفني مطلوب وعلينا
تفهمه. الإيقاع في حياتنا شيء من عناصر الإبداع في الكائن. فالموسيقى هي
بمثابة الحب في الفعل الإنساني، ومن الطبيعي أن يأخذ الفن الإنساني منها
شيئاً لكي يصبح كذلك. فمن غير المتوقع أن يأتي على الإنسان زمن يفقد فيه شرطا جوهرياً من الشروط التي تميز الشعر عن النثر بالمعنى التقني، لأن مادة صنيع الشاعر هي، دائماً، الجذر الأول للموسيقى، الإيقاع النوعي في روح وجسد ما يصنع: إنها اللغة. الموسيقى هي السحر الغامض الذي تشع به اللغة العربية في عبقريتها وجمالياتها التي ألهمت علماء اللغة وفقهاء التنظير في النحو والصرف من جهة، وشحذت مخيلة الذين اكتشفوا سر العلاقات الباهرة بين الحروف والمفردات والكلمات والجُمل والأعراس والنحيب والصمت والكلام من جهة أخرى. وسوف تكمن الموسيقى، دائماً، في هذه العلاقات البالغة الدقة بين الكلمات نفسها والحروف ذاتها ونسغ ونسيج الجملة والنص التي كانت في الأصل مكونات الهارموني العظيم للغة، وهي كانت الجذر المؤسس لما اكتشفه منظروا الأوزان والبحور، ففي اللغة كانت منابع الموسيقى الشاملة التي تتغير وتتبلور كما مستها يد المبدعين عبر تجارب لا تحصى. وسوف يكون من بين ما يتوجب على المبدع الجديد أن يتنبه إليه، هو العودة إلى المنبع، كلما أراد أن يصوغ لنا مفاهيمه الجديدة للكتابة، لكي يمنح لغته نعمة اكتشاف جماليات الموسيقى اللامتناهية في تلك اللغة. ليس لكي يفتح لتجربته الآفاق الرحبة من وسائط التعبير وآلياته فحسب، ولكن، خصوصاً من أجل أن يكون جديراً بالنهوض بدوره الفذ في اقتراح جديده التعبيري، بمعزل عن قداسات التراث، طارحاً على الحوار الإبداعي حقه في الخروج عن النص السابق بنص جدير. *** عندما أقترح السابقون الأوزان والبحور والعروض، ظنّ كثير من العرب أنها القول الفصل في تاريخ الإنسان والشعر العربيين، كما لو أن الخليل بن أحمد والأخفش وغيرهما قد وضعوا للكتابة الشعرية حدودها الأبدية، ويأتي نقاد يصدرون في كلامهم عن تلك المقترحات تماماً كما صدر مفسرو وشراح النص الديني لكي يكون جواب الأبد.
وظني أن ما فعله أصحاب النقد من الفداحة بحيث أنهم لم يصادروا حق اكتشاف آفاق موسيقية جديدة للكتابة الشعرية العربية فحسب، وإنما هم أيضاً (قياساً على ما فعله مفسرو وشارحو النص الديني) قد سدّوا الطريق أمام انبثاق الروح الإنساني في الحياة العربية وثقافتها، وسدّوه أمام الأمل في ملامسة جمال الإيقاع في لغة التعبير الأدبي، لكي تبدو حياتنا على هذه الدرجة من الجفاف لفرط غياب الحس الموسيقي عنها، حتى أنني أكاد أشعر بوطأة الحدّ الأخلاقي التقليدي الذي كان موقفه سلبياً من الموسيقى كفن من فنون الحياة. الأمر الذي سينسحب على كل فعالية إنسانية في مجمل حياتنا العربية، بحيث أن الاجتهاد في حقل موسيقى الشعر (أو مجرد إعادة النظر في نصها الأول) كان ضرباً من الخروج على كيان الحياة العربية وثوابتها، وبالتالي هو تحريض على تقويض البنية الشاملة القائمة على قبول الموروث الثقافي وتقديسه وإعادة إنتاجه بشتى التجليات. *** ليس هذا كلي شيء. فنحن، مقابل ذلك، كله، ليس في وارد التفريط في واحدة من أجمل عناصر الكتابة عموماً والشعر على وجه الخصوص. فالموسيقى ليست هي فقط بحور الخليل ولا حدود العروض. الموسيقى هي الجمال الخاص الذي يقترحه علينا شخص المبدع فيما يعيد خلق لغة التعبير أثناء الكتابة. في مقابل ذلك، يجوز لنا التعبير عن قلقنا لما يتعرض له النص الشعري الجديد من صمت (لفرط غياب الموسيقى عنه) على اعتبار أن ذلك ذهاباً مبالغاً للرد على أصحاب أوزان الخليل، حتى ليبدو لنا الأمر، بينما نقرأ بعض الكتابة الشعرية الآن، كما لو أنها كُتبت لقراءٍ من الصّم، بسبب الغياب الفادح لأية موسيقى تشي بأن كاتب هذا النص هو شاعر عربي يصدر عن اللغة العربية ذات الجماليات الموسيقية الباهرة والتي لا نهاية لمكتنزاتها الإيقاعية. لابد أن يكون قلقنا مشروعاً، فهو قلق يتطلب من التحلي بقدر من الشجاعة لعدم تفادي مسؤوليتنا المباشرة في مناقشته، ولئلا نصدق، في مستقبل الأيام، أن ثمة شعراً يمكن أن يُكتب بمعزل عن الموسيقى. *** اللغة العربية ليست مجرد حروف في الأبجدية أو كلمات منظومة ومصفوفة ومرتبة وحتى مموسقة أو موزونة فسحب. اللغة العربية هي، ذلك الروح الشعري الغامض الذي يستعصي على الوصف المباشر، العقلاني، القائم على منطق قياس المادة وفيزياء الدلالات الملموسة. اللغة هي أن تشعر بأن النص قد ولد تواً من عبقريات الجمال الرهيف الذي صقلته تجربة الكتابة العربية وأثثته تجربة الذات الإبداعية. اللغة هي تلك العلاقات اللامرئية والمتوهجة بفعل تجربة العشق الكثيفة التي لا يطول كنهها إلا شاعر يصوغ تدفقات روحه، فيما يمزجها بلحظته الذاتية المتناهية العمق والطفولة في آن. *** فإذن، لابد من الاعتراف هنا، ثمة قلق لا أكف عن التعبير عنه في حواري مع أكثر التجارب جدية ووعياً، وهو قلق يصدر عن شعور بخطورة علاقتنا بمفاهيم لا تزال قيد البحث في التجربة التعبيرية العربية، وخصوصاً منها ما يتعلق بالكتابة. وهو، أيضاً، قلق أن تكون مواقفنا الإبداعية، فيما نحن نصوغ ونبلور مفاهيمنا الجديدة، ناتجة عن ردود فعل مباشرة لمواقف السابقين والمتحفظين والمتعصبين للماضي، فلسنا بدورنا متعصبين نحن أيضاً، أعني أرجو أن لا نكون متعصبين. أحب أن أرى إلى هذا الأمر بوضوح كامل وصرامة شفافة. ففي حين لا أخضع لإرهاب الموقف السلبي من تجارب الشباب، فإنني في ذات الوقت أرى إلى بلورة مفاهيم يتوجب على كل جيل تحمل مسؤوليته في تحقيقها. مفاهيم تستدعي صياغتها قدراً كبيرا من الوعي والموهبة والصرامة، ليس تلبية لحد الموروث المسلّط علينا، ولكن صدوراً من طبيعة ما نشعر به في ذواتنا واستجابة لمسؤولية مستقبل ما نزعمه من إبداع. *** إذن، فالملامح المميزة في لغتنا العربية مكنوزة طوال الوقت بما يسعفنا عندما نحسن اكتشاف هذه العناصر الباهرة في قدرة اللغة على الحياة في النص الإبداعي. والمبالغة في إغفال تجاهل أو تفادي جماليات اللغة لحظة الكتابة، هو تفريط في قرائن الإبداع. ولست ممن يميلون إلى التفريط في مثل هذه الملامح، لأنني أشعر بأننا سنتعرض لخسارة فادحة عندما نتنازل عن هذه الجماليات الفاتنة التي تتيحها اللغة بوصفها من بين أبرز الخصوصيات التي تتجاوز حدود مفاهيم الهوية الضيقة، لتشكل العمق الكوني لما يسعى له الشعر في المطلق عبر حواره مع العالم. أحب أن أشعر وأنا أقرأ نصاً عربياً، أنه مكتوب فعلاً بالروح الخاص للغة العربية، أحب أن يمنحني النص شعوراً بأنه مكتوب بهذه اللغة مستفيداً من أقصى ما تقدر عليه موهبته من طاقة الجمال في هذه اللغة، ربما بالنسبة لي، سأرى في شعرية النص العربي شرطاً لازماً لأدبيته. وليس من الحكمة أن نكتب نصنا الشعري الجديد من غير أن نكترث بهذا التراث الكثيف من التجربة الجمالية التي اكتنزت بها اللغة العربية وخصوصاً عندما نتأمل المعنى لهذه الثروة الغنية التي تمثلها لغة عمرها أكثر من أربعة آلاف سنة، لم تضعف أو تندثر أو تنصهر في غيرها، وعليه فهي، حسب التاريخ الثقافي، أقدم لغة حية على الإطلاق. لكن تاريخها، هذا، لا يجعلها سُلطة علينا، كما يريد لها السلف الصالح، تستعبدنا بوصفها طواطمَ نهائية في المعاجم القديمة، بل هي كنز مكنون لا نستطيع اكتشاف جمالياته إلا بما نبتكره من قناديل فاتنة تقدر على إضاءة طريقنا إلى المناجم الجديدة. |