|
المجموعة القصصية
15 يناير 2007 صدرت المجموعة القصصية "الذَّاكرة مُمتلئة تقريباً" في مسقط عن منشورات وزارة التراث والثقافة العُمانية، وتضم اثني عشر نصاً قصصياً كتبت في الفترة بين عام 1998 إلى عام 2006. تنقسم قصص المجموعة إلى قسمين أولهما بعنوان "ذاكرة ثانية" ويضم النصوص التالية: رحلة القملة، تأهب الدَّقائق، الذَّاكرة مُمتلئة تقريباً، الكابتن حمدان، حدث في المقهى، إنديا ليست من الهند. في حين يحتوي القسم الثاني والمعنون بـ"ذاكرة أولى" على القصص الآتية: جامع البرتقال،المسافر، الخائنة، سعَّود، الوحيد، الشَّارع الطَّويل. خط خطوط الغلاف وأشرف فنياً على الإصدار الخطاط عبدالباسط المعمري، وصممت الفنانة التشكيلية بدور الريامي غلاف المجموعة الذي أُستمد من لوحة للفنان التشكيلي عبدالله الحنيني.
* كتبت القاصة الكويتية باسمة العنزي عن قصة الذاكرة ممتلئة تقريباً قراءة بعنوان "لغة الأشياء/ إن كنت حقاً تكرهني فاقتلني". * كتبت الكاتبة الأردنية هيا صالح عن المجموعة بعنوان "الذاكرة ممتلئة تماماً لمازن حبيب.. بطولة الزمن .. ". * كتب الناقد العراقي د.ضياء خضير ورقة نقدية عن المجموعة بعنوان "الذاكرة متلئة تقريباً.. حين يكون الزمن موضوعاً للبنية السردية". * كتب القاص العُماني سالم آل تويه ورقة نقدية بعنوان ملاحظاتٌ أوليَّةٌ على انزياحات "الذَّاكرة" وضمير السَّرد والمكان واللُّغة في مجموعة "الذَّاكرةُ ممتلئة تقريبًا" للقاصّ مازن حبيب . * كتب القاص العُماني سليمان المعمري عن قصة الكابتن حمدان، إثر مشاركتها وفوزها بمسابقة الملتقى الأدبي العاشر. لغة الأشياء / إن كنت حقا تكرهني فاقتلني! باسمة العنزي - لديك رسالة صوتية واحدة في صندوق بريدك. للاستماع إليها: اضغط واحد. - ثمة شخص تعر...
- لحذف الرسالة: اضغط سبعة. للإبقاء عليها: اضغط تسعة.
*(الذاكرة ممتلئة تقريبا) للقاص العماني مازن حبيب، صادرة عن وزارة التراث والثقافة. جريدة الرأي: 14 أبريل 2008 الذاكرة ممتلئة تماماً لمازن حبيب.. بطولة الزمن .. هيا صالح*
تركز مجموعة ذاكرة ممتلئة تقريباً للقاص العُماني مازن حبيب على حركية الزمن وإحساس
المتلقي به من دون اكتراث بتفاصيل المكان بوصفه حاضناً للأحداث وعنصراً أساسياً في
تشكيل المشهد السردي، فالقاص يروي من منطقة الذاكرة الحُبلى بالأحداث المختزنة في
اللاوعي والتي تتحيَّن الفرصة للانفلات من مكمنها، وهو ما يسعى إليه الراوي (القناع
الذي يختبئ خلفه القاص)؛ الخلاص من الماضي باسترجاعه وتدوينه على الورق. * كاتبة أردنية جريدة الرأي حين يكون الزمن موضوعا للبُنية السرديّة .. ضياء خضيّر ذاكرة مازن حبيب الممتلئة تقريبا في هذه المجموعة ، هي في الواقع ذاكرة هاتفه النقّال ، وهي في الوقت نفسه ذاكرة الراوي والمؤلف المختبئ وراءه ، بعد أن ثقلت وضاقت وشعر صاحبها بأنها بحاجة إلى أن تفرغ من بعض تجاربها القريبة والبعيدة ليكون بإمكانها استقبال أحداث وذكريات جديدة . والقاص يمارس بذلك نوعا من التقنية السردية المعبرة بطريقة غير مباشرة عن وعي منظم بالزمن الماضي وذكرياته الشابة التي تقلق بامتلائها حاضره ورغبة راويه في استئناف الحياة وعيشها من جديد بعيدا عن سلطة ذلك الماضي وذكرياته الضاغطة . وهو إذ يستعيد تخيل حياته الماضية أو بعض أحداثها وصورها فإنه إنما يقوم بإنشاء كيان من الصور التي تمنحه الطمأنينة وتحقق له شيئا ضروريا من أوهام وبراهين التوازن النفسي المفقود . والملاحظ على هذه المجموعة هو أن ليس فيها أحداث عارضة أو موضوعة بطريقة اعتباطية داخل القصة ، إذ تبدو الأحداث والإشارات فيها موظّفة لغرض اساسي يتصل بسيرورة السرد ووصوله إلى الخاتمة بطريقة مخصوصة تذكّر بالإشارات والتلميحات الواردة في ثنايا القص فتردّها إلى بعضها وتربط ما تناثر من أجزائها وتوظفها لخدمة البنية العامة للحكاية . و يبدو أن هذا القاص العماني الشاب يطبّق بصورة جيّدة المبدأ النقدي القائل بأنّ سمة الصنعة والحرفية الجيدة في القصة القصيرة هو أن لا يكون هناك شيئ زائد أو تافه ما لم يكن بالغ الضرورة . غير أن هذه القصص التي يشبه بعضها المذكرات في محاولتها القبض على أحداث ومواقف ماضية في حياة الشخصية القصصية ، قد لا تفطن إلى حقيقة أن الماضي لا يمكن استرجاعه كما هولأنه تعرّض إلى التغيير وربما التشويه بفعل مروره على شاشة الوعي وارتباطه بتجارب أخرى واقعة بين الحدث وزمن التذكّر . وربما أضيفت إليه أحداث وتجارب لم تلاحظها الشخصيّة أو تفطن إليها في لحظة حدوثها فتسرّبت إلى اللاوعي متأثرة بعوامل أخرى مختلفة . وعندما يجري استرجاعها والعودة بها إلى الحاضر فإنها تبدو كما لو كانت حرّة في الزمن غير مقيّدة بشيئ من تأثيرات الماضي والتجارب الشخصية الأخرى . وهو ما يجعل الذاكرة مثقوبة أحيانا ، تعاني من وجود ثغرات وتشوهات في بعض حمولتها الواعية أوغير الواعية . ووضع ملتبس كهذا هو الذي يدفع القاص إلى أن يضع في صدر مجموعته عبارة ديلان توماس التي يقول فيها : " لا يمكنني أن أتذكر حقّا إذا ما أثلجت لستة أيام ليل نهار عندما كنت في الثانية عشرة ، او أنها أثلجت لاثني عشر يوما ليل نهار حين كنت في السادسة " . وذلك يذكّرنا بماكانت فرجينيا وولف تقوله من أننا نذوب في بعضنا بالعبارات لأننا محفوفون بالضباب ، وأننا منطقة وهمية . وهو ما يفسّر لنا ربما الكيفية التي يتحدّث لنا فيها مازن حبيب أو راويه عن النسيان في الوقت الذي يكون فيه مشتبكا بسرد ذكرياته الأكثر حميمية وصلة به . والمهم في هذه المجموعة القصصية أنها توفر لقارئها إحساسا بمنطق الزمن أكثر مما توفره من إحساس بمنطق المكان ، وأنها تنظر إلى العالم كتاريخ ومضطرب للذكرى أكثر مما تنظر إليه كطبيعة ومشاهد منظورة ، حتى إذا كان الأمر مرتبطا بأطراف من سيرة ذاتية وتجارب شخصيّة ، وليس بفلسفة محددة في التاريخ والاجتماع. ولذلك لا يكون غريبا أن نجد فرقا ذا دلالة بين هذه المجموعة ومجموعات عمانية أخرى كتلك التى كتبها محمود الرحبي ، حيث طغيان حسّ المكان والحرص على تسجيل تفاصيل تشكّل المشهد السردي يزيد على ما سواه .علما بأنّ الزمن أكثر تجريدا من المكان بسبب تغيّره وحراكه الدائم ، وكون اللحظة الحاضرة فيه هي المتوفرة أمام الإدراك حتى إذا كانت مجتلبة من الماضي البعيد للشخصيّة ومقحمة في إحدى لحظات الحاضر الراهن . ويبدو أن فضاء البيت ومكان قرية الراوي المحيطة به هوالمغيّب في ردهات الذاكرة ، كما أن صوره المرجعية القابلة للظهورعلى شاشة هذه الذاكرة تبدو غير مبرأة من شوائب الخيال . وهو أمر ينعكس أحيانا على بناء الشخصية القصصية نفسها ، فتبدو غائبة الملامح أو مشتبكة مع غيرها من الشخصيات في أفعال غير مؤكّدة أو واضحة المعالم ، كما في القصة التي سميت المجموعة باسمها ( ذاكرة ممتلئة تقريبا ) حيث الصديق أو القرين الذي يريد من الراوي أن يقتله مع أنه لا يكاد يعرفه : " هل أُخبركَ يا صديقي أنِّي كرهتُ إنسانًا لا أعرفهُ صادفتُه عابرًا مرَّةً واحدةً في حياتي، ولسببٍ لا يتعدَّى أنَّهُ ما انفكَّ يراودني بعدها في أحلامِ اليقظةِ والنَّومِ ويُوشوشُ في أذني:"إن كنتَ حقًّا تكرهني فاقتلني!"؟. – لا أعرفكَ، يا هذا، بما فيه الكفاية لأكْرَهَكَ، ولا أريدُ خوضَ غمارِ أمرِ قتلكَ، لأنَّهُ لا يعنيني حقًّا، إن عذرتني. لكَ أنْ تفعل ذلك بنفسكَ. – تعلمُ أنَّهُ بإمكانكَ تجاهلُ أمرِ عدم معرفتكَ بي، فتكرهني حالاً وتقتلني!. – لكن لِمَ؟ سأقتلكَ، جدلاً، لو منحتني سببًا، أيَّ سبب. – ألن تحزرَ ذاكَ بنفسكَ؟ لِمَ ينبغي عليَّ أنْ أيسِّرَ عليكَ أمرَ قتلي؟ ألا تشعرُ بي؟. – ماذا تعني؟ من أنتَ؟ أنتَ مجرَّد خيالِ شخصٍ عبرَ في ذاكرتي لبُرهةٍ. ...إلخ "
وحين لا يكون هذا القتل ممكنا في عالم الأحلام أو العالم الواقعي لهذا الراوي ، فلا بأس من أن يتم بصورة رمزية تتخذ من تمثال ثلج يصنعه الراوي بنفسه رمزا لمثل هذه الجريمة الخيالية المصممة للخلاص من ماض لا يمكن الخلاص منه بطريقة أخرى ، حتى إذا ذاب وهو يخفي معه سرّا لا يريد البوح به ، ولن تفشيه ذاكرة ممتلئة تقريبا ، كما جاء في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها . ولئن كانت العين هي الأداة الخاصة بإدراك المكان وبناء المشهد السردي المنظور ورؤية نماذج محددة منه ، فإن الذهن هو الأداة الخاصة بإدراك الزمان بما له من ضرورات خاصة بالتعاقب الكرنولوجي الثابت ، أو النفسي المتلوّن بلون المشاعر والأحاسيس والممتد بامتدادها . وبما أن المذكرات ليست فنا خالصا ما دامت بحاجة دائمة إلى موضوع يجهّزها به الواقع الذي يعيش فيه الكاتب ويعرفه بحواسّه ، فإن ما يجعلها أكثر قبولا في عالم السرد هو أن الكاتب لايكتفي باستعادة الماضي أو أحداث معيّنة منه كما هي ، وإنما التأمل فيها ومعاينتها في ضوء جديد ، خصوصا حينما يكون الأمر متصلا ببعض الشخصيات وصورها البطولية التي ملأت مخيلة الكاتب زمن الطفولة بأنواع من المشاعر والأحاسيس . كما هو الحال مع صورتي (الكابتن حمدان) و (سعود) اللتين صنعتا عنوان اثنتين من القصص في هذه المجموعة . "الحياة كانت هناك على الملعب، وأصبحتِ الكُرةُ ولهًا لا قرين له. ربَّما لم ننشغل بغير كُرة القدم في حياتنا خصوصًا بعد ترحال آبائنا. ربَّما لم نستكشفْ حُبَّ أشياء أخرى في المدرسة أو الحياة. أعرفُ أنِّي لم آتِ بكَ هنا لأصف لكَ غرامنا باللعب. لم يكن، ولن يكون ذلك مُهمًّا لكَ. ما أستطيع قوله إنَّها كانت حياة ما عنتْ شيئًا لغيرنا عندما تكالبتْ الأحداث فيما بعد.. " وقصة الكابتن حمدان التي اقتطعنا منها هذا المقطع السردي ، وكذلك قصة سعود ترويان فصولا من حياة أجيال عمانية عاشت على وهم البطولة وجسّدتها بأشكال وصور مختلفة ، وكانت ضحية لعوزها وفقرها وعدم تنازلها عن كبريائها وخروجها عن الوضع الاجتماعي السائد ، حتى إذا كان هذا الخروج سلبيا وعنيفا . وكان مشهد إعدام الكابتن حمدان أمام سكان الحي للقط الذي أكل حماماته الزاجلة التي كانت تنقل رسائله إلى حبيبته ، وكذلك موت سعّود بتلك الطريقة الغامضة ، شكلين منطقيين من أشكال النهايات التي ترتبت على الصدام العنيف بين الأفعال الفردية الخارجة على المألوف ، والأعراف الاجتماعيّة المستقرّة . والنهاية التي انتهى إليها الكابتن حمدان معوّقا مشوّه الجسم والعقل ، ساهما يتقلّب على رمال الملعب الذي عشقه وحقق فيه البطولات ، تبدو أكثر إيلاما وتأثيرا وهزّا للمشاعر ، خصوصا أن رؤيتنا لها تأتي في اللحظة التي يتم فيها زفاف حبيبته إلى زوجها الذي تروى له الحكاية منذ البداية من دون أن يكون له دور غير كونه مرويّا له نستمع إلى القصة من خلاله . وحمدان الذي يحمل " سمة غامضة تجعلك تتناقض مع نفسك تجاهه ، ولا يمكن لشيئ غير القصص أن تصفه لأن الكلمات تجهله " كما يقول الراوي .. حمدان هذا يظل يحمل في عين الراوي طعم بطولة خاصا من الصعب تجاوزه أو نسيانه . وقد تمت صياغة شخصيته مع شخصيّة سعود في ذهن الراوي على أساس قدرتهما على الخروج والمفارقة لما هو سائد ، وأيضاعلى تجسيد ما لم يجرؤ الراوي على أن يجسّده في حياته . وكانت استذكارات الراوي الممتزجة عنده بالإعجاب والرغبة في التقليد أو حتى مجرّد الرؤية والمراقبة ، تنتهي غالبا إلى الفشل المتمثّل في إصابة أنفه وتسببه في خسارة فريق الكابتن حمدان مرّة ، وفي حالة الارتباك والخوف التي وجد نفسه فيها مرة ثانية لدى محاولته تقليد سعّود شيشة بتدخين سيجارته الأولى . وهي السيجارة التي كانت وراء كل ما تعرّض له سعّود من رفض ومشاكل عائلية واجتماعية . "انتفضتْ يداي بقوَّة، وارتجَّ صدري، وأنا أفتحُ العلبةَ. وكنتُ، رغمَ اختفائي عن الأعينِ، أبدو مفضوحًا ومكشُوفًا للجميع. عرقتُ، وتسارعتْ أنفاسي، ودارتِ الأشياءُ في وجهي، وكأنَّني أمامَ موتٍ عظيمٍ. أخرجتُ لفافةً واحدةً، وأشعلتُها، ورأيتُ سعُّود يحترقُ في دُخانها." وبعض قصص هذه المجموعة مثل قصة ( حدث في المقهى ) لا تكتفي بمحاولة استيعاب تجارب الطفولة الباكرة التي عاشها الراوي بهذا الشكل أو ذاك ، وإنما تحاول تقديم دراسة منهجيّة للزمن بشكليه الموضوعي والسايكولوجي من خلال دراسة وضع خاص لشخصيّة مركزية تتعامل مع الزمن بطريقة خارجة عن المألوف. وعند ذاك نستطيع الانتباه إلى تفرّد مثل هذه الشخصية وغرابة أطوارها ووضعها ضمن النظام الزمني الاستثنائي الخاص بها . فالزمن المتشابه والرتيب الذي ألفت هذه الشخصية على تمضية أيّامها فيه دون تغيير أو إحساس بما هو جديد ، ينكسر في اللحظة التي تقتحم فيها فتاة عابرة عزلة تلك الشخصية ، فتدخل الخلل على رتابة أيامها وزمنها المحسوب بفناجين القهوة العربية وقراءة الكتاب والجريدة اليومية : "أنهمِكُ في قراءةِ كتابٍ، ولا يسترعي انتباهي شيءٌ غيره، لكن عندما قلبتُ الصَّفحة التَّاسعة والسِّتين، وبعد أنْ ارتشفتُ الرَّشفة الثَّانية من فنجان القهوة، وكانت السَّاعةُ تقارب الثَّامنة والرُّبع من هذا الثُّلاثاء، حدثَ شيءٌ غير مألوف. لمستْ على كتفي، وقالت بابتسامةٍ وديعةٍ:"مرحبًا". تَشتَّتَ تركيزي عن الكتاب، وأنا أرفعُ بصري نحوها، أضافتْ: – هل لي بهذا المقعدِ؟. وتقدَّمتْ نحو المقعدِ المقابلِ لي. لمحتُها في ثوانٍ، وأغمضتُ عينيَّ. عطرها انبعثَ ياسمينيًّا اختلطَ قليلاً بعبق القهوة "العربيَّة". الجميلةُ صهباء ذاتُ عينين عسليتين هادئتين، كما أنَّ بياضَ عينيها كان صافيًا جدًّا ما أوحى لي بأنَّ ليلتها السَّابقة كانت هانئةً.. " وهكذا نرى بأن الوظيفة السردية لتلك الفتاة العابرة في حياة هذه الشخصيّة الغارقة في عزلتها اليومية داخل ذلك المقهى لم تكن عابرة تماما ، لأنها تدخل التغييرعلى النظام الزمني الخاص بهذه الشخصية ، وتشعره بوجود نظام زمني آخر مختلف ، فيعرف لأول مرة ربما "بأن ذلك يعنيه حقا . " وهكذا فإن الزمن الذي يحل داخل الروح الإنسانية ويبقى ثابتا محافظا على إيقاعه الخاص لدى شخصية من هذا النوع ، سرعان ما يبدأ بالتصدع لدى وجود هذا المنبّه الخارجي . فيشعر البطل ، لأول مرّة في حياته ربما ، بالحيرة والارتباك لوجود هذا التفاوت بين زمن الساعة الخارجي والزمن البيولوجي الخاص بالعقل والمشاعر الداخلية الأكثر تخفّيا وبعدا . إذ إن زمن الساعة أو الزمن الموضوعي يتضاءل ولا يعمل على المستوى الخاص بأحلام اليقظة . وأقصى ما يستطيع زمن الساعة هذا أن يفعله بلحظاته ودقائقه المحسوبة بدقّة هو أن يستثير العقل أو الساعة الداخلية للإنسان وينبهها إلى أن مقاييس الزمن ومعاييره التقليدية ليست الوحيدة القائمة في الروح الإنساني ، وأنّ هذه المقاييس قد تقف عاجزة عن فهم ما يمكن أن تفعله دقيقة واحدة متبقية من زمن هذه الشخصية وهي تتنتظر دون فائدة إطلالة تلك الفتاة الساحرة التي رآها البطل في المقهى بتلك الكيفية الغريبة . إذ يبدو أن في نظرة هذه الفتاة من القوّة ما لا يمكن أن يمرّ في دائرة الزمن الموضوعي المغلق دون صعوبات وتساؤلات : " مازلتُ، الآنَ، أرتادُ المقهى، وأجلسُ على المقعد ذاته، وأطلب القهوة نفسها من ذلك النَّادل. لم أستطع إغماضَ جفنيَّ بعد الحادثة، وفمي ظلَّ مفتوحًا من يومها، وبدوتُ أقرب إلى شخصيَّةٍ كارتونيَّةٍ يضحكُ منها الأطفالُ، وتثيرُ امتعاضَ الكبار. لبستُ قميصي الأزرق الذي غسلتُه بالأمس. أحضرتُ الكتابَ، وقلبتُ إلى الصَّفحة التَّاسعة والسِّتين، وارتشفتُ الرَّشفة الثَّانية من قدح القهوة التُّركيَّة أو العربيَّة. بقيتْ دقيقةٌ واحدةٌ عن الثَّامنة والرُّبع، وأخشى، بعد مرورِ عامٍ كاملٍ، ألاَّ تأتي اليوم أيضًا، وأظلَّ شاخصَ البصر، فاغرَ الفم هكذا." إنها، كما نرى ، عين الكامرا التي تسترجع المشهد ببطء مرّة ، وتثبته على حركة ذات دلالة معينة، مرة أخرى، تماما كما يحدث في السينما. ولعل قصة مازن حبيب الأخرى المعنونة ( تأهب الدقائق ) أن تقدم أكثر من غيرها من قصص المجموعة ، هذا الإحساس بالمفارقة والتفاوت القائم بين زمنين وإحساسين . ويبدو أن القاص قد أفاد في هذا الجانب من ثقافته السينمائية وقراآته لبعض الكتاب الغربيين الذين أولوا مقولات الزمن وخصائصه النسبية الجديدة اهتماما كبيرا ، مثل الكاتب الأمريكي وليم فوكنر . ولا يمكن أن نقرأ ما كتبه مازن حبيب في بعض مقاطع هذه القصة عن تلك الساعة الخشبية التي يريد البطل أن يهديها لابنه من دون أن نستذكر بعض فقرات مشابهة في رواية فوكنر المعروفة ( الصخب والعنف ) . يقول الراوي الشيخ في قصة مازن حبيب المذكورة آنفا: " سأطلبُ من ابني زيارتي، غدًا، لأخبرهُ عن هذهِ السَّاعةِ الخشبيَّةِ التي ورثتُها عن أبي، الذي ورثها هو عن أبيهِ أيضًا. سنتحدَّث، وسَيُسَرُّ لي، رغمَ كلِّ شيءٍ، وسأمنحهُ السَّاعةَ إيَّاها، لعلَّها تبعثُ لهُ بالسَّعادةِ، هي الأخرى، إلى قلبهِ اليافعِ، في المُقبل من الأيَّامِ. " ويقول فوكنر في الصخب والعنف على لسان الابن وهو يتحدث عن الساعة الخشبية التي أهداها إياه أبوه : "كانت تلك ساعة جدّي . وعندما أهداها أبي قال : ها أنا ذا أهديك ضريح الآمال الرغبات كلّها . إنه لمن المناسب حد العذاب أن تستخدمها لتصل إلى النهاية المنطقية الحمقاء التي انتهت إليها تجارب الإنسان جميعها . وهي لن تنسجم مع رغباتك الشخصية أكثر مما انسجمت مع رغبات جدّك وأبيه . إني أعطيك إيّاها لا لكي تذكر الزمن ، بل لكي تنساه بين آونة وأخرى ، فلا تبدد جهدك محاولا أن تقهر الزمن . لأن ما من معركة ربحها أحد ، قال أبي ، لا من معركة حارب فيها أحد . فالميدان لا يكشف للمرء إلا عن حماقته ويأسه ، وما النصر إلا وهم من أوهام الفلاسفة والمجانين " ولئن كان راوي مازن حبيب لايذكر صراحة فلسفته مع الزمن ويحدد عمل الساعة التى يريد أن يهديها لابنه بعد أن ورثها عن أبيه ، كما يفعل بطل فوكنر ، فلأنه (= راوي مازن حبيب ) يمارس بنفسه مع زمن هذه الساعة ، على المستوى العملي ، نفس االفلسفة التي يتحدث عنها بطل فوكنر في النص المتقدّم أوما هو قريب منها ، على المستوى النظري . ولنستمع إلى بطل قصة مازن حبيب المتقدمة وهو يحدثنا عن نظامه الزمني الخاص وصراعه مع عقرب ثواني ساعته الخشبية بهذه الطريقة : " تكادُ عيناي أنْ تندلقا من محجريهما، وأنا أرتقبُ حركةَ عقربِ الثَّواني، وأصيخُ لوقعها المنتظم: تِكْ.. تِكْ.. تِكْ.. لكنَّ العقربَ توقَّفَ عن حركتهِ فجأةً، والزَّمن تجمَّدَ لحظتها. أزحتُ، بهلعٍ، السَّاعةَ عن الحائطِ، ورججتُها، ثم استبدلتُ بطَّاريَّتها بأخرى جديدة، لكنَّ العقربَ ظلَّ ساكنًا لا يبرحُ مكانَه. تصبَّب جبيني عرقًا، وشعرتُ بدوخةٍ ورغبةٍ في التَّقيؤ. رفعتُ السَّاعةَ بكلتا يدي، ورميتُها بهلعٍ على الطَّاولةِ، فتهشَّمَ الزُّجاجُ، ولم يتحرَّك العقربُ. لمستُ عقربَ الثَّواني بيدي محاولاً تحريكهُ، فانتابتني لدغةٌ لاسعةٌ حارقةٌ سرعانَ ما استشرتْ في دمي. أسندتُ، بعجزٍ، جسدي المُتهالك إلى الحائطِ، وهويتُ على الأرضِ، بعدَ أنْ أوهنني الإعياءُ، وعجزتُ عن تحريكِ أطرافي. خلالَ تلكَ الثَّواني، لمحتُ، قبل أنْ تغمضَ عيناي الغائرتانِ: العرَّافةَ العمياء، وحجِّي سلمان، والسِّتَّ أنوار، ومُطلَّقتي، وابني، وأبي، وجدِّي. أمعنتُ بصري في ملابسي البيضاء، وحين لم ألمح وجهي في شظايا زجاجِ السَّاعةِ المتهشِّمِ، دقَّ قلبي اثنتي عشرةَ دقَّةً بطيئةً مُتباعدة... " هكذا نشعر أن هناك إنسانا آخرقد فتح عين بطل مازن حبيب على فكرة الزمن هذه ونبّهه إلى هذا النوع من المعالجة . فهو يتصرّف مع الساعة التي يحطّمها ويحاول أن يحطّم معها الزمن الموضوعي غير المتلائم مع زمنه الخاص نفس التصرف الذي يتصرّفه بطل فوكنر . وهو، مثل هذا البطل الجنوبي الأمريكي ، يبدو قادرا على أن يتعامل مع مشكلة الزمن كما لو كانت مشكلته الخاصة . وقد تبدو قصص أخرى مثل ( الشارع الطويل ) أقرب إلى القصيدة الشعرية التي يجسّد السرد فيها لحظة زمنية يصنعها انتظار الراوي في أحد الشوارع تحت المطر لفتاة لم تف بوعدها ولم تأت للبطل الذي حلق ذهنه وتعطّر وأعد عدته وتأهب لاستقبالها ، كما هي العادة في مثل هذه الحالات . حيث تمثّل ثيمة الانتظار غير المجدي ، بنية إخفاق لا شك فيها ولا برء منها . غير أن نهاية هذه القصة التي التي يملّ فيها البطل من الانتظار فيرمي حقيبته اليدوية الثقيلة ومظلته في طرف الشارع الطويل ويجري بحثا عن فتاته الموعودة ، تبدو ذات طبيعة بصرية تفيد من الشعريات السينمائية وتحاول التعبير عن بعض المشاعر الداخلية عن طريق الحركة الخارجية . "وقفتُ في مكاني، وأطرقتُ رأسي تمامًا إلى الأرضِ، وأغمضتُ عينيَّ. مطرٌ، وقرعُ أحذيةٍ في الأرضيَّةِ يتقاربُ ويبعدُ، وسيَّارات. أريدُ الآنَ أنْ أعرفَ ما يحدث. لماذا لم تأتِ؟ لقد انتظرتُها، ولم تأتِ. قلَّصتُ المظلَّةَ، وأزحتُ الحقيبةَ عنِّي، ورميتُ الاثنتين معًا إلى طرفِ الشَّارع. جريتُ في الشَّارعِ الطَّويلِ أبحثُ عنها". وهذه القصة لاتختلف كثيرا عن قصة (الوحيد) في قدرتها على ملامسة الايقاع الداخلي لزمن الانتظار والبحث المؤرّق عن فتاة لم تأت ولن تأتي في تلك المدينة الغريبة لتخفف عن البطل شيئا من وحدته وغربته القاتلة . ومصدر الشعر أو البطانة الشعرية الكامنة في قلب هذه القصص أن الخيال أكثر خصوبة في العادة من التجربة نفسها . وأن مجيئ الفتاة ربما أضعف ، لو حصل ، توتر اللغة وأفقد النص بعض جماليات أدائه السردي وتقنياته المعتمدة على بساطة اللغة ورصد التوتر الداخلي ، وإيجاد نوع من الاقتران بين المادي والمجرّد ، وإظهار وحشية الواقع الخارجي وغرابته . وهو ما يجعل بعض المقاطع النثرية في الحكاية تقترب من المقاطع الشعرية في القصيدة. وذلك يحدث من دون تفكّر أو رغبة عامدة من الراوي في إدخال هذا النوع من اللغة الشعرية أو القريبة في روحها من الشعر على جسد الحكاية وبنيتها السرديّة ، كما يحدث في نصوص سردية عمانية أخرى ، فيفسد التداخل الخارجي أو المصطنع بين هذين النوعين الأدبيين ( الشعر والقصة ) النوعين كليهما أو يدخل العطب والضيم على مجمل البناء في النص القصصي . وهو أمر له علاقة ، هو الآخر ، بالزمن وطريقة استخدام القاص له في هذه الذاكرة الممتلئة تقريبا . فالكاتب أو بطله وراويه النائب عنه لا يستطيع أن يهمل في أحوال من هذا النوع العناية بالحقائق والمشاعر السايكولوجية وما يرفقها من تيار وعي وعمليات تسام خاصة بالزمن ، مادامت مهمته الأساسية كسارد هي أن يعالج وضعه ويكتب عن نفسه ويصف مشاعره الداخلية إزاء حالات ومواقف من هذا النوع لا تملك اللغة الساردة إزاءها إلا أن تكون لغة شاعرة تنطوي على نفسها وترتّق الثقوب الموجودة في واقعها ، وهي تواجه هذا السيل العرم من اللحظات الزمنية والأحداث التي تسهم الحياة في إعدادها وتفاجئ بها البطل في وضعه المستوحد المنفرد في بلاد الغربة . وقد لا يؤلف النص في هذا النوع من الكتابة قصة أو حكاية مكتملة في تدرجها والتزامها بالشروط التقليدية للسرد ، ولكنها تبدو مع ذلك كافية لتحفيز المتلقي والإبقاء على توتره ورغبته في المتابعة والإصغاء إلى أصداء التجربة ومحاولة تصورها وعيشها مع الكاتب لحظة وقوعها . ولابد من الإشارة إلى أن الإيقاع السردي الموجود في كل النصوص المكتوبة في بلاد الغربة بعيدا عن الوطن ، يتسم بقدر مشترك من الإحساس بوجود بنية الإخفاق الناتجة عن صعوبات التأقلم مع المكان الجديد والحاجة المادية والعاطفية الطاغية . وهذه النصوص التي قلنا إن لها طابع المذكّرات والعودة الى التجارب الحياتية السابقة ، تختلف بطبيعتها عن تلك المكتوبة عن مرحلة الطفولة .. ناسها وأحداثها وأبطالها وتجاربها المميّزة . إذ هذه الأخيرة تتخذ بالفعل طابع مذكرات مغموسة بمشاعر الحنين والحب الأول للمكان والشخصيات والزمن الآخر . وهو زمن يبقى في عين الراوي ذهبيا مع كل إخفاقاته ومصاعب العيش فيه . إنه زمن الطفولة الداخلي الذي يأتي في كل لحظة ويعاد بناؤه وتصوره باستمرار في شكل جديد ، كما أسلفنا . في حين أن الزمن الثاني الخاص بتجربة الغربة يبدو زمنا آخر خارجيّا مع حضوره وثقل المشاعر والأحاسيس الخاصة به . الزمن الأول موجود في زاوية ما من ذاكرة الراوي ووعيه ولا وعيه ، ولكن ذاكرة الراوي لا تشعر مع ذلك أنها مثقلة به ، أو بحاجة للخلاص منه . إنه زمن راهن يعيش في حاضر الشخصية وماضيها ويؤلف جزءا من وجودها نفسه . أما الزمن الثاني فهو زمن راهن أيضا ، ولكنه مضاف ، ويقلق بتفاعله وامتلاء ذاكرة الراوي به حاضر الشخصية ويشعرها بالحاجة إلى زمن آخر مختلف ، تستطيع الذاكرة معه أن تتحرك بحريّة أكبر، وتتخلص القصة فيه من بنية الإخفاق وآفاقها المغلقة وتجاربها المرافقة. إنه زمن الخيبة الداخلية والتحسّر على حياة ناقصة وتجارب غير مجرّبة ، يختلف فيها السرد القصصي عن تلك المذكرات التي تستمتع بالترجيعات والأصداء عن الأمكنة والشخصيات والأحداث ، فهي تستعيد تجربة الرنين الزمني الأول ، وتسترجع صدى ما فات ودخل في حكم الماضي الذهبي رغم كل ما فيه من خيبات وتجارب مريرة . وثمة قصص أخرى تقوم في ثيمتها الرئيسية على ما يشبه النكتة أو المفارقة التي لا تخلو من طرافة مثل قصة ( الخائنة ) التي يصب فيها صبي صغير جام غضبه على فتاة تكبره بكثير حينما تتزوج وتدعوه مع أبيه وأخوته لحضور حفل زفافها بعد أن كانت تعد الصبي بالزواج منه مداراة لمشاعره وتصوراته الطفلية الحالمة غير المبرأة ، ربما ، من العقدة الأوديبية . أما قصص ( جامع البرتقال ) و( إنديا ليست من الهند ) و( المسافر) فتنطوي على مجموعة من المفارقات التي تقع للراوي في بلاد الغربة ، وتتضمن أحداثا ومغامرات عاطفية غريبة وحالات وأوضاعا بشرية تؤكد في مجموعها على وحشية ولاإنسانية الأسس التي يقوم عليها المجتمع الغربي والحضارة المادية الحديثة . فهو مجتمع لا يقبل التعامل خارج الحسابات المادية الصرف ، حتى إذا كان الأمر متعلّقا بسنتات قليلة تنقص من ثمن جريدة يريد الراوي المسافر أن يشتريها قبل صعوده إلى الطائرة لأن الآلة الحاسبة والمرأة العجوز ذات العيون المعدنية الواقفة وراءها لا يجدان سبيلا للتنازل عنها ، مع أن البطل المسافر نفسه قد تبرّع بما يزيد عنها قبل لحظات . أو نجد مثل هذه المواقف في حالة عائلة أمريكية تمضي إجازة العيد خارج منزلها وتعهد للراوي برعاية قطتها المدلّلة ( إنديا) في المنزل دون تفكيربإنسانيته هذا الراوي وحاجته هو الآخر إلى من يخفّف عنه وحدته وضجره وشعوره بالامتهان . أما قصة ( رحلة القملة ) فذات طابع أخلاقي ظاهر جعل من نغمتها مختلفة بعض الاختلاف عن بقية القصص في المجموعة . حدثها الأساسي يدور حول خيانة زوجة ترتبط بعلاقة حب مع صديق لزوجها الذي يعمل في الصحراء . وهي تبدو تقليدية بكل ما فيها لولا أن ما يكشفها ويتحدث عنها هو ( قملة ) تعيش في رأس محمد الابن الصغير للعائلة . ولئن كان هذا الطفل لا يفهم مايدور في الغرف المغلقة بين أمه وصديقها في غياب أبيه فإن هذه القملة تفهم ذلك وتحدثنا عنه بلسان بليغ ، هو في الواقع لسان الراوي وموقفه الرافض لهذه العلاقة والمدين لها . وما تقوله هذه القملة الغريبة وهي تتسمع إلى ما يدور في رأس الطفل الذي تلتصق برأسه هو، دون شك ، صوت هذا الراوي والمؤلف المختبئ وراءه : "مَا لا يُدْرِكُهُ هَؤُلاَءِ أَنِّي أَسْتَطِيْعُ بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيْزَةٍ مِنْ هُبُوطِي عَلَى رُؤوسِهِمْ الاسْتِمَاعَ إلَى مَا يَتَرَدَّدُ فِي عُقُولِهِمْ مِنْ هَوَاجِسَ ومَا يَجُولُ فِيهَا مِنْ خَوَاطِرَ. بـِإمْكَانِي الاسْتِمَاعُ إلَى صَوْتِ الحَقِيقَةِ الَّذِي يَقْبَعُ فِي قِمَّةِ رُؤوسِهِمْ وَالَّذِي يَدْحَضُ أَكَاذِيبَ أَلْسِنَتِهِمْ وَغَمْزَاتِ عِيُونِهِمْ. تِلْكَ الإيْمَاءَاتُ الَّتِي لا يُفْلِحُ فِي فَكِّ شَفْرتِهَا الْبَشَرُ أنْفُسُهُمْ..." ويبدو أن ولع مازن حبيب بالتجريب ومحاولة استخدام أساليب مبتكرة في التكنيك السردي تعتمد أحيانا على ما يشبه المونتاج المتوازي في السينما ، وقطع التطور الخطي للحكاية ، وإدخال عناصر جديدة على بنية القص ، هي التي تدفعه إلى كتابة من هذا النوع . وهو لا يكتفي بتغيير الأصوات الساردة بين الحين والآخر ، وإنما أيضا إلى تغييرشكل الكتابة من أجل تأكيد هذا التحوّل البلفوني وتنبيه القارئ إليه . غير أن طبيعة البنية السردية في القصة تبقى بعيدة عن أن تكون مقنعة للمتلقي ، ليس فقط لأنه يشعر أن من المستحيل على قملة أن تقوم بدور من هذا النوع ، وإنما لأن أجزاء من القصة تفتقد المنطق الداخلي الذي من شأنه أن يوفر الحد الأدنى من الانسجام السائد في القصة نفسها . فإذا سلّمنا جدلا بأن هذه القملة تستطيع أن تنقل ما يدور في رأس الصبي الذي تلتصق به ، فليس من المفهوم أن تنقل ما يدور في رؤوس الآخرين ، كالكلام الذي يدور بين الأم وصديقها ، أو بين الأب العائد من رحلته في الصحراء وصديقه اللدود الذي يستقبله في المطار مع أنه يمارس الخيانة مع زوجته . ولئن كان وجود الصبي في المطار قريبا من الأب وصديقه يتيح لهذه القملة أن تتجسس عليهما بهذه الطريقة الغريبة ، فإن من شأن ذلك أن يمنحها وسائل إضافية غير معروفة في بداية القصة . وهو ما يدخل شيئا من الخلل على وسائل ضبط الحكاية وتناسب أدواتها السرديّة وتوفير قدر كاف من الإحساس بواقعية ما يجري . ومن المعروف لنا أن القصة (faction) هي فن الكذب بلباقة . وثمة حاجز شفيف يمكن ، في حال رفعه ، أن يحوّل هذا الفن إلى كذب صريح ، فينفي عنه اللباقة ، ويزيل الوهم الذي يمكّن القارئ أن يتابع اللعبة حتى النهاية . وتلك من الأمور البديهية التي لا نجد أنفسنا مضطرين لذكرها لولا الحاجة التي تضطرّنا إليها طبيعة التركيب السردي في مثل هذه القصّة . فلا بدّ للقارئ أن يقتنع بالوجود والرؤية بأنه هو الفاعل في المكان والوقت والشخصية الموجودة في عالم القصة الخيالي الذي يعيش فيه القارئ بشكل مؤقت ، ويمثّل نجاح الكاتب في صنعه معيارا أساسيا من معايير نجاح القصّة . غير أن هذه قصة مفردة على كل حال ، ولا تمثّل حقيقة الجهد الابداعي المتميّز الذي بذله هذا القاص العماني الشاب في صياغة هذه المجموعة ، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما جرى التعرض له بشكل أساسي في هذه القراءة النقدية من عناية خاصة بالزمن لا نكاد نجد له مثيلا في القصص العماني . وهي عناية رأينا أنها لم تخطئ هدفها وتحقق نصيبها من النجاح حتى إذا كانت بعض نصوصها متأثرة ، كما رأينا ، بهذه الكيفية أو تلك ، ببعض النماذج الروائية والقصصية الأجنبية .
سالم آل تويِّه يُحيل عنوان المجموعة إلى لازمةٍ ترتبط بآلة تسجيل رسائل الهاتف، فعندما تُصبح ذاكرة الآلة على وشك الامتلاء تُطلق تلك الجملة كتنبيه لتوفير مساحة كافية لاستقبال رسائل جديدة، والعنوان مستلٌّ من داخل المجموعة، فهو أساسًا عنوان القصَّة الثالثة، إلا أنَّ المجموعة تُريد الذَّهاب أبعدَ من اللازمة، وذلك بدايةً من صفحاتِها الأولى، مُدخِلَةً الإهداءَ والاقتباسَ في المتن، عبر توظيفها حالات الذّاكرة المختلفة، كالسَّهو (ص 5) الذي يأتي عنوانًا بديلاً عن كلمة "إهداء" المعتادة، وكلمة "التباس" بدل كلمة "تصدير" المعتادة، في الصَّفحة السَّابعة، التي تشير إلى إحدى معضلاتِ الذَّاكرة حين لا تستطيع ترجيح ذكرى على أخرى فيلتبس عليها الأمر. وبدلاً من كلمة "فهرس" نقرأ "فراغات النِّسيان"، والمجموعة مقسَّمة إلى ذاكرتين: "ذاكرة ثانية" وتضمُّ ستَّ قصصٍ مكتوبةٍ في أعوام 2004، 2005، 2006م، و"ذاكرة أولى" وتضمُّ قصصًا كُتبت في 1998 و1999 و2002م، أي أنَّ القصص رُتِّبتْ ترتيبًا تنازليًّا يبدأ من آخر قصَّة كتبها الكاتب وينتهي عند أوَّل قصَّة كتبها، ويضع القاصُّ "ذاكرةً أخيرة" كعنوانٍ لمقطع الغلاف الأخير. وفق هذا الرؤية التي يتبنَّاها الكاتب، والتي تتداخل فيها ذاكرة الآلة وذاكرة الإنسان، سوف يتعيَّن على القارئ عدم إهمال القواسم المشتركة بين القصص. وبصيغةٍ أخرى: عَبْرَ المترادفات والمتقابلات؛ كـ"الذِّاكرة" و"السَّهو" و"النِّسيان"، يُوجِّه العنوانُ وانزياحاتُه القارئَ نحو اقتفاء أثر "الذَّاكرة" كثيمةٍ تشكِّل أحدَ اشتغالات المجموعة، إذ يبدو أمرًا صعبًا تجاهل كلِّ هذه الإشارات، فحتَّى في الصَّفحة الأخيرة يترك القاصُّ "تذكارًا" للقارئ لن نستطيع اعتباره خارج النَّص ما دام بين دفَّتي "ذَّاكرتين"؛ الأولى في الغلاف الأول، و"الثالثة" في الغلاف الأخير. إنَّ المجموعة تقسِّم الذَّاكرة إلى ثلاث ذاكرات تبعًا للتَّسلسل التَّالي: 1- "ذاكرة ثانية" (ص 9). 2- "ذاكرة أولى" (ص 67). 3- "ذاكرة أخيرة" (الغلاف الأخير). الذَّاكرة ذات علاقةٍ وطيدةٍ بالزَّمن، إنْ لم تكن زمنًا متراكمًا، وفي الذَّاكرة يتقدَّم الزَّمن ويتأخَّر، يبدأ من المنتصف أحيانًا رغم أنَّ حدوثه لاحق، كما في قصَّة "المسافر" التي تتبع نفس ذاك التَّسلسل، أي البدء ممَّا حدث ثانيًا، وليس أولاً؛ ولسلاسة السَّرد وتدفُّقه لا يكتشف القارئ ذلك إلا عندما يقوم السَّرد نفسه بالانقطاع عن سرد ما يحدث الآن، وإكمال تتمَّته بالعودة إلى الماضي، ثمَّ قطعه- كما يحدث في اللَّقطة السِّينمائية التي تنطفئ بزمنها وشخوصها وأحداثها لتنتقل إلى لقطة أخرى بزمن آخر وشخوص آخرين وأحداث أخرى. ذلك يصنع حكايةً ما، ويُعيد تركيب الزَّمن بسيرورةٍ تتصاعد بتشظيتِه ولأمه كي يُصبح الزَّمنُ زمنَ القصَّةِ الحرَّ غيرَ الخاضع لشروط التَّوالي النَّمطيَّة: ماضٍ، حاضرٌ، مستقبل. تأسيسًا على ذلك توظِّف قصَّة "المسافر" التِّقنيَّة إيَّاها: "كان لديَّ أكثرُ من نصفِ ساعةٍ في المطارِ قبلَ الإقلاعِ من جديدٍ، فاتَّجهتُ إلى متجرِ الجرائدِ، وأخذتُ "النّيويورك تايمز"، وكانت أمامي امرأةٌ شابَّةٌ تستعطفُ البائعةَ كي تُعفيها من سِنْتَاتٍ ثلاثة تَنقُصُها عن مبلغِ مشترياتٍ لابنتِها الصَّغيرة....". (ص 79). تبدأ القصَّةُ هكذا، مكانُها "متجر بيع الجرائد"، وشخوصها السَّاردُ والبائعةُ والمرأةُ وابنتُها، ثمَّ يحدث قطعٌ ويتقهقر السَّرد إلى الماضي، وباستثناء السَّارد يختفي الشُّخوص والمتجر، وتدخل شخصيَّةُ المضيفة وتتبادل حديثًا مع السَّارد في الطَّائرة. ثمَّ ينقطع تقهقر السَّرد، ويعود إلى المشهد السَّابق حيث المتجر والبائعة والسَّارد، ومن هنا يُواصلُ الحدث الرَّئيسُ تقدُّمه في القصَّة مجدَّدًا. السَّاردُ يُدرك لعبةَ تقطيعِ الزَّمن، ففي الصَّفحة الثَّمانين يقول: "... شعرتُ ببطولتي للمرَّةِ الثَّانيةِ اليوم."، وفي الصَّفحة الحادية والثَّمانين يقول: "شعرتُ ببطولتي للمرَّة الأولى اليوم.". تأتي المفارقةُ لتُشكِّل ثيمةً تقود إليها الأحداث، إذا ما اعتبرنا أنَّ أكثر من حدثٍ يتشابك في ثنايا القصَّة، فما دار بين السَّارد والمرأة وابنتها في متجر المطار، ودفعه السِّنتات الثلاثة عنهما، حدث فرعي يخدم سياق القصَّة ويبني أحد دعاماتها التي تكشف المفارقة تدريجيًّا وحتَّى النِّهاية. وتبرُّعُ السَّاردِ للمضيفة، أو بالأحرى لبرنامج "الصُّدور الرَّحبة"، حدثٌ آخرُ يُشارك في صنع المفارقة المتصاعدة بواسطة اللُّغة المبطَّنة بسخريةٍ يظهر خلالها أحدُ الاختلافات بين ثقافتين؛ شرقيةٍ يمثِّلها السَّارد، وغربيَّةٍ يُمثِّلها باقي شخوص القصَّة ومواقفهم، فالأحداث تتمُّ في مطار مدينةٍ أمريكية أثناء "التّرانزيت": "كان لديَّ أكثرُ من نصف ساعةٍ في المطار قبل الإقلاع من جديد." (ص 79). هذان "الحدثان" الجزئيَّان سيبدوان باهتين إذا قُرئا بمعزل عن بعضهما بعضًا، كما سيبدوان معلوماتٍ محضةً، فوظيفتهما مساندة الحدث الرَّئيس وتكثيفه، فلا إنقاذُ السَّاردِ المرأةََ من الموقف الحرج بدفعه السِّنتات الثلاثة عنها أجدى نفعًا، ولا تبرُّعه لبرنامج "الصُّدور الرَّحبة"، وكان يظنُّ أنَّ تبرُّعه مرَّتين سيُساعده: "ولعلَّها تتغاضى عن سنتين تافهين يُمكن التَّسامح عنهما مقابل العملين الكريمين اللَّذين قمتُ بهما" (ص 81)، فقد حدث أحدهما أمامها والآخر حكاه لها السَّارد. المفارقةُ أنَّ السَّاردَ بروحه "الشَّرقيَّة"- إن صحَّ القول- يقع تحت رحمة المصادفات الحرجة في عالمٍ تحكمه السُّرعة والمادَّة وقيمهما المحدَّدة، وهو ما يُظهر شخصيَّةَ الآخر- حسب سياق القصَّة- لامباليةً لأنَّ الأمر باختصار لا يعنيها؛ ولأنَّ منطق المفارقة الذي يبني القصَّة سينهار إنْ لم يحدث هذا: "وقالت ببرودٍ صارمٍ: "آسفة لا أستطيع أن أفعل شيئًا حيال هذا الأمر، فأنا مجرَّد بائعةٍ أقوم بعملي". تفهَّمتُ الأمرَ إلا أنِّي التفتُّ خلفي، وابتسمتُ لرجلٍ عجوزٍ سمع القصَّة، وظننتُ أنَّني سأُثير شفقتَه، لكنَّه انزعج من نظري إليه. خرجتُ من المتجر بدون "النّيويورك تايمز"". (ص 81)، وهذا هو الحدث الرَّئيس الذي تبدأ به القصَّة وتنتهي: شراء الجريدة التي لم تُشتَرَ في نهايةِ المطاف!. "الذَّاكرة" حسب تعريف معجم "المحيط": "قدرةٌ نفسيَّةٌ على الاحتفاظ بالتَّجارب السَّابقة واستعادتها عند الاقتضاء....". هذا التَّعريف ليس بعيدًا عن جلِّ قصص المجموعة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن "التَّجارب السَّابقة واستعادتها عند الاقتضاء" عمليةٌ متعلِّقة بالزَّمن، وعند قراءة قصَّة "تأهُّب الدَّقائق"- على سبيل المثال- يُصبح المفهوم واضحًا: "11:55م ستدقُّ، بعد قليل، خلال خمسِ دقائقَ، السَّاعةُ، ساعةُ ميعاد سعادتي. قبلَ خمسين عامًا، استبصرتْ عرَّافةٌ عمياء... أنَّ سعادتي لن تبدأ إلا بدقَّاتِ السَّاعةِ الثَّانية عشرة من صباحِ يومٍ يُوافق بحساب الثَّواني والدَّقائق والسَّاعاتِ والأيامِ والشُّهورِ والسِّنين غدًا...." (ص 17). الشَّخصيَّةُ المحوريَّةُ في هذه القصَّة رجلٌ عجوزٌ يسرد من خلال "الذَّاكرة"، أو من خلال قدرته النَّفسيَّة على استعادة تجاربه السَّابقة. قصَّة "الكابتن حمدان" تتكئ على "الذَّاكرة" أيضًا، فهي المحرِّض على السَّرد الذي ينبش ويكشف ويستعيد أحداثًا تَمَّتْ في الماضي، وتقوم استعادتُها على إحيائها وإحياء أثرِها النَّفسيِّ من جديد. هذه القصَّة وقصَّة "إنديا ليست من الهند" تُظهران قدرة القاصِّ على الاستغراق في السَّردِ وتوظيف التَّفاصيل بما يُكثِّف عناصرَ القصِّ ويجعل القراءة شائقةً وممتدَّةً نحو نهايةٍ ثقيلة الوطأة في الأولى، خاصَّةً وأنَّها لا تكتفي بنبش "الذَّاكرة" بل تكرِّس سطوتَها، فالسَّارد- عبر إيقاف الزمن وتداعيه والعودة به إلى الوراء- يُحْضِرُ الماضي ويُخاطب "ناصر" مستدعيًا أشدَّ ما تختزنه الذَّاكرة من تفاصيل بين "حمدان" وحبيبته "منى" التي يُريد "ناصر" الاقتران بها الآن؛ إنَّه يضعه أمام الأمر الواقع المُدمِّر: "... سترى أنَّ حمدان يتذكَّر...." (ص 45)، وقبل هذا بوقتٍ مبكِّر: "ربَّما ينبغي أن أتوقف قليلاً هنا. لن أتوقَّف عن الكلام، فالقصَّة ستُحكى لك بعد أن اتفقنا، لكن يجب أن أتحدث عن ما كان يجري قبل هذا. ربَّما عليَّ العودة إلى البداية المزعومة" (ص 32). وفي "إنديا ليست من الهند" تعود المفارقات والسُّخرية والحسُّ التَّهكميُّ والطَّرافة مرَّة أخرى، إلى جوار ما يُرافق ذلك من مقارناتٍ واختلافاتٍ بين ثقافتين شرقيَّةٍ وغربيَّة. هنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ روحَ السَّرد في أغلب قصص المجموعة تستند إلى ما سنسمِّيه مجازًا قاعدةَ "شرّ البليَّة ما يُضحك". وفي بعض قصص المجموعة تحضر "الذَّاكرة" عبر أفعال التَّذكُّر إن لم تحضر بالمفردة نفسِها مباشرةً، وذلك على النَّحو التَّالي تمثيلاً لا حصرًا: 1- في قصَّة "الوحيد" نقرأ: "أتذكَّر أنَّ فتاةَ المحاسبةِ في المحلِّ كانت جميلةً جدًّا حينما رأيتُها، قبل أسبوعٍ، بالمصادفة... أتذكَّر أيضًا أنِّي غمزتُ لها تجربةً بمغزًى جنسيٍّ...." (ص 92)، وفي هذه القصَّة لا يتمالك السَّردُ نفسَه، ويُسْقِطُ ثقافةَ السَّارد/القاصِّ على النَّصِّ، عبر إشاراتٍ تُدلِّل على أنَّه ذاتُه يُشكِّل الشَّخصيَّةَ المحوريَّةَ في أكثر من قصَّةٍ، ليس فقط بسبب ضمير المتكلِّمِ الذي يسرد القصصَ بأكملها، بل أيضًا بسبب "المعلومات" التي يسوقها: "... لبرهةٍ أخالُني تذكَّرتُ شعراء كثيرين. تساءلتُ ما قد يقول نزار قبَّاني عن هذا الدُّخان (يقصد انتشاءه باختلاط عقب السَّجائر بأحمر شفاه النساء عندما يُدخِّنَّ)، فضحكتُ ثمَّ شعرتُ بالحزن...." (ص 93)، فمهما تكن التَّبريراتُ فنحن كقرَّاء نعرفُ أنَّ أكثر من قصَّةٍ بطلُها طالبٌ في مدنٍ أمريكيَّةٍ لا يظهر الفرقُ بين واحدتِها والأخرى إلا من خلال الإشاراتِ المؤرِّخةِ لكتابة القصص وأماكنِها الموثَّقة في نهاياتِ القصص. هذه ظاهرةٌ في عددٍ كبيرٍ من القصص القصيرة المكتوبةِ في الوطن العربيِّ والخليج وعُمان بالطَّبع، ظاهرةٌ لم تنل حظَّها من الدِّراسة والبحث رغم أنَّها تحتلُّ مساحةً كبيرة من نتاجاتِ كتَّاب القصَّة الشباب، ونكتفي هنا بمجرَّد الإشارة إليها، مرجعين جذورها إلى تأثُّراتٍ بالنَّصِّ المفتوح، وبكتاباتِ شعراء وقاصِّين وسُرَّادٍ وروائيِّين كـ حيدر حيدر، وأمين صالح، وقاسم حدَّاد، وعبد المنعم رمضان. إلا أنَّ السَّردَ واللُّغةَ في مجموعة "الذَّاكرة ممتلئة تقريبًا" يُنقذان القصَّة من الوقوع المحض في الذَّاتية وتداعياتِها، بخلافِ عددٍ كبيرٍ من القصصِ المكتوبة بأنا غارقةٍ في اليأسِ والفشلِ العاطفيِّ والأحزان التي ينقطع السَّردُ عن تصعيدِها لتكون جديرةً باكتساب صفة القصَّة. سنعود فيما بعد إلى إكمال هذه الملاحظة.
ما زلنا في قصَّة "الوحيد"، وإذا اقترحنا حذف السَّطرين التَّاليين منها: "بعد أن أشرتُ له بـ"بطاقة الطالب... بدا لحظتَها أنَّه من المجدي أحيانًا أن يكون المرءُ طالبًا...." (ص 94)، إضافةً إلى المقطع السَّابق أعلاه الذي يتذكَّر فيه السَّارد الشَّاعر نزار قبَّاني، إذا حذفنا المقطعين فستختفي شخصيَّة المؤلِّف ولن يتأثَّر السَّرد كثيرًا، لكنَّ هُوِيَّةَ السَّارد ستختفي بدورها وتُصبح بلا خلفيَّاتٍ محدِّدةٍ لمن يكونه بالضَّبط في سياق الأحداث. 2- في قصَّة "سَعُّوْد" نقرأ: "لقد تذكَّرتُ سَعُّوْد الشِّيشة، المراهقَ الأكثرَ شهرةً في الحارة بلا منافس... أتذكَّرُ تمامًا، قبلَ أربع سنواتٍ، حين كان سَعُّود في الخامسة عشرة....". (ص 78، 79). 3- في قصَّة "الكابتن حمدان" تحضر "الذَّاكرة" بلا مفردتِها المباشرة: "فلنعُدْ إلى البداية. عن ماذا كنتُ أتكلَّم؟ آهٍ.. عنِ الملعب، والكرة...." (ص 37). واضحٌ أنَّ السَّارد باستغراقه في سرد التَّفاصيل نَسِيَ النقطة التي وقف عندها سابقًا ("عن ماذا كنتُ أتكلَّم؟")، وهذا سؤالٌ يدلُّ على انقطاعٍ مؤقَّتٍ للـ"ذَّاكرة" ما لبث أنْ زال بعودة السَّارد إلى التَّذكُّر من جديد. 4- في قصَّة "إنديا ليستْ من الهند" نقرأ: "هذا البيتُ يُشبِه جميعَ البيوتِ التي رسمتُها وأنا طفل....". (ص 59)؛ واضحٌ استدعاءُ "الذَّاكرة"، هنا، الذي لا يدوم طويلاً. وفي القصَّة نفسِها نقرأ أيضًا: "... عليَّ إطعامُ "إنديا" ثلاثَ مرَّاتٍ يوميًّا، وتذكيرُها بشرب الماء من وقتٍ لآخرَ- فهي تنسى ذلك دائمًا-...." (ص 61، 62). 5- في قصَّة "الشَّارع الطَّويل" يُصاب السَّاردُ بخيبةِ الأملِ منذ السَّطر الأوَّل: "تألَّمتُ في داخلي حين لم تأتِ. هل تُراها تنساني، وأنا أذكُرُ موعدَنا؟.". (ص 97). 6- المثال الأوضح للـ"ذَّاكرة" وانزياحاتها نقرؤه في قصَّةِ "الذَّاكرة ممتلئة تقريبًا"، ورغم الحضور القويِّ للذَّاكرة هنا إلا أنَّ همَّ السَّارد/القاتل محوُها كي لا يُفتَضحَ أمرُه. أحدٌ ما- والشُّكوك تحوم حول القاتل!- حذف الرِّسالةَ من آلة تسجيل رسائل الهاتف بعد سماعه لها، وهي رسالةٌ بمثابةِ جزء من دليل قد يقود إلى معرفة القاتل، إلا أنَّ هذا أحْذَرُ من أنْ يُفشي سرِّه، لذلك بعد أنْ يطلب إليه أحدُ المتحلِّقين حول الرَّجل الذي "لطَّخَ الدُّنيا البيضاء بما تدفَّق من دمائه." (ص 27) الاتِّصالَ بالإسعاف لإنقاذه تتداعى "ذاكرتُه" بخطَّتِه التي أعدَّها للقتل، فيرتبك، ولا يتَّصل بالإسعاف بل بهاتفِ منزله ويضع الرِّسالة!. ستُخبرُنا الأحداث لاحقًا بأنَّ السَّارد أعدَّ العُدَّةَ مع سابق الإصرار والتَّرصُّد لقتل رجلٍ "صادفته عابرًا مرَّةً واحدةً في حياتي، ولسببٍ لا يتعدَّى أنَّه ما انفكَّ يُراودُني بعدها في أحلام اليقظةِ والنَّوم ويُوشوشُ في أذني: "إنْ كنتَ حقًّا تكرهني فاقتُلْني!"؟" (ص 24). لكنَّ السَّارد- وأصبح واضحًا الآن أنه هو من حذف الرِّسالة!- يسرد حادثةً لم تكن في الحُسبان: "... اتَّجهتُ بدافع الفضول إلى مدخل مبناه ذي الدَّرجات العديدة، كي أتفاجأ حينما رأيتُه يصعد الدَّرجاتِ وحيدًا، وأنا ظننتُه في الدَّاخل طوالَ الوقتِ مع أقرانه، ولم يكن يبدو مختلفًا عن مثيل الذَّاكرة. حيَّيتُه، دون قصدٍ، من أعلى السُّلَّمِ، بعَفْوِيَّةٍ، قبل أن يلمحني: "عِمْتَ مساءً، مستر". وما كاد يرفع بصرَه نحوي حتَّى تعثَّرتْ قدماه، وتدحرج ككرةِ ثلجٍ نحو القاعِ، ولطَّخ الدُّنيا البيضاء بما تدفَّق من دمائه.". (ص 27)، أي أنَّ المباغتةَ غير المقصودة هي مَنْ قتل الرَّجل وليس السَّاردُ مُعِدُّ الخطَّة. فكرةُ هذه القصَّة تُوظِّف المصادفات، وتستفيد من الأخبار وحوادث القتل المجَّانيَّةِ التي تكثُر في أمريكا، ويقف وراءها قتلةٌ غريبو الأطوار والدَّوافع، يقتلون لأجل القتل وحده، مدفوعين بنوازع شريرة وغامضة يُطلقون لها العنان ببرودة أعصاب. إنَّ "الذَّاكرة" هنا ذاكرةُ الآلة مثلما هي ذاكرة الإنسان أيضًا؛ الذَّاكرة الاستيهاميَّة المريضةِ الخاليةِ من الإنسانيَّةِ والممتلئةِ بالشَّرِّ الذي يُقدِّم نفسَه كتحصيلِ حاصلٍ، أو كفعلٍ حياديٍّ لا يدعو إلى الإدانة. "الذَّاكرة" إذن هي المحرِّضُ على القتل، إذ داخلها بُيِّتتِ النِّيَّةُ وأُعدَّتِ الخطَّة، لكن سيرَ الأحداث يشوبُه التَّناقض، ولا يستمرُّ في الإقناع، فبعد أن أخبرنا السَّارد بأنَّ القتيل كان "إنسانًا لا أعرفه صادفتُه عابرًا مرَّةً واحدةً في حياتي...." (ص 24) يُخبرنا بما هو نقيض معرفته النَّاقصة هذه: "تساءلتُ: "هل أخنُقُه بربطةِ عنقِه على كرسيِّ مكتبِه؟ أم أستلُّ سكِّينًا وأطعنه في ظهره، وهو يتبوَّلُ واقفًا في الحمام في لحظةٍ قذرة؟"....". (ص 25)، وهذه المعرفة لا تستقيم مع ذلك الجهل، أي أنَّ "كرسيَّ المكتب" و"الحمَّام" ينفيان عدم معرفة السَّارد بالقتيل وتحرُّكاتِه، بل إنَّ الأوَّل يُخاطب الثَّاني من خلال أحلام اليقظة والنَّوم والذَّاكرة المريضة فقط: "- ماذا تعني؟ مَنْ أنتَ؟ أنت مجرَّد خيال شخصٍ عبر في ذاكرتي لبرهةٍ". (ص 24). ثمَّ مَنْ هم أقرانُ الرَّجل الذين عناهم السَّارد؟. وبعد هذا كيف سنربط التَّفاصيل ببعضِها بعضًا إذا كان السَّارد يُناقض نفسَه أكثر من مرَّةٍ ويُقدِّم معلوماتٍ متضاربة: "لم يكن هذا الرَّجل... يُغادرُ المبنى الذي يقطن فيه إلا قليلاً، ولا يتحرَّك إلا عندما تتحرَّك الحياةُ من حوله....". (ص 26). ألا يعني هذا أنَّ السَّاردَ يقع في تناقضٍ بيِّنٍ، فبعد أسطر أخرى يعود ليناقض نفسه مرَّةً أخرى: "لم أُصدِّق أنَّ توهُّمًا مجنونًا كاد أنْ يجترَّني لارتكاب جريمة ضدَّ رجلٍ هلاميٍّ لا أعرف سوى وجهه وكلماته تقتصُّ من نومي، وتُشوِّش عليَّ ذاكرتي أثناء استيقاظي....". (ص 27). هكذا تزداد الأمور تعقيدًا، وينال التناقض القصَّة كاملةً، ولا نستطيع القولَ إن الواقع والنَّوم اختلطا على السَّارد واستحوذتْ عليه أوهام "الذَّاكرة" حتَّى عدم استطاعتِه التَّفريقَ بينها وبين ما يحدثُ حقيقةً، لن نستطيع ذلك لأنَّ السَّرد ينقل التَّناقضَ بوضوح. هل تمكَّن الهذيانُ من ذاكرةِ السَّارد إلى هذا الحدّ؟. وما معنى أن يصنع السَّارد رجلاً من الثَّلج يسرد عليه تفاصيل القصَّة كاملةً؟. إذا كانت هذه رغبةٌ مجنونةٌ كرغبته الغريبة الملحة في القتل، باعتبار أنَّ الإفضاء يُتيح له الشُّعورَ بأهمِّيَّتِه، أو لمجرَّد تفريغ ذاكرته "الممتلئة تقريبًا" بما لا يعرفه سواه، خاصَّةً وأنَّ المُفْضَى إليه سيذوب عندما تُشرق الشَّمس، وبالتَّالي سينتهي كلُّ شيء، إذا كان هذا هو المبرِّر فإنَّ التَّناقضاتِ لن تنتهي. التناقض واضح كذلك في قصَّة "حدث في المقهى" بدايةً من المكان الذي يغيم ولا يتحدَّد، ثمَّ الحدث الذي لا يُقنِع على الإطلاق، ذلك أنَّ السَّردَ ينصبُّ على الخارج فقط، ولو أنَّه عمل على ما يعتمل داخل الشَّخصيَّةِ جرَّاءَ رؤيةِ الفتاة الفاتنة ربَّما كان مقنعًا، فعطر الياسمين والعينان العسليَّتان والشَّعر السَّافر كلُّها أوصافٌ خارجيَّة لا تُقنع بهيامِ شخصٍ بفتاةٍ رآها مرَّةً واحدةً. إشاراتٌ سريعة يُقدِّمها السَّرد لكنَّه لا يتعمَّق فيها، بحيث إنَّها عندما تظهر بين فقرة وأخرى تلعب دور المبالغة غير المبرَّرة، فكيف يُريدنا السَّارد أن نقتنع بأنَّ حياته تغيَّرتْ منذ عام بسبب رؤيته تلك الفاتنة التي ظلَّ يبحث عنها دون جدوى؟: "... لم أستطع إغماض جفنيَّ بعد الحادثة، وفمي ظلَّ مفتوحًا من يومِها، وبدوتُ أقرب إلى شخصيَّةٍ كارتونيَّةٍ يضحك منها الأطفال، وتُثير امتعاض الكبار....". (ص 51). ويأتي التَّناقض في هذه القصَّة عندما يسأل السَّاردُ النَّادلَ عن الفتاة، كما يسأل بائعة الورود المسنَّة، ويبحث عنها في متجر الكنزات الكبير، وهو بعد هذا يقول: "... وأخشى بعد مرورِ عامٍ كاملٍ ألا تأتي اليوم أيضًا، وأظلَّ شاخصَ البصر، فاغر الفم هكذا. أخاف من يومٍ آخر لا تأتي فيه "هنادي"... ". (ص 51)، فهذه المفاجأة المخبَّأة في آخر القصَّة تُضيف استفهامًا آخرَ عن اسم الفتاةِ الذي ظهر فجأةً دون أيِّ مقدِّماتٍ مقنعة، حتَّى إنَّ الفخَّ الذي ينصبه الكاتب في بداية القصة بدسِّ معلومة عن الحروف الخمسة لاسم الفتاة المعلقة في سلسلتها، هذا الفخ يتأخَّر لصالح المفاجأة وحدها، وهكذا يخلق استقبالاً باهتًا من قبل القارئ. المكان يُلاحظُ أنَّ ثماني قصصٍ تدور أحداثُها خارج المكان المحلِّي الذي تدور فيه أحداث أربع قصص فقط. إنَّ المكان يلعب أدوارًا مزدوجة، فبينما تُوضِّح إشارات الكاتب كتابتَه سبعَ قصصٍ في عُمان، وخمسَ قصصٍ في أمريكا، توضِّح أيضًا تاريخ كتابةِ اوَّل قصَّةٍ في المجموعة، وهو 12/11/1998م في أوستن/تكساس، ليس هذا فقط فقصص الجزء الثَّاني من المجموعة ("ذاكرة أولى") الأقدمُ زمنيًّا وعددُها ستٌّ خكسٌ منها مكتوبةٌ في أمريكا وواحدة فقط كُتبتْ في البريمي/عُمان. ويبدو أنَّ المكان غيرَ المحليِّ بقي مهيمنًا على "ذاكرة" القاصِّ حتَّى بعد عودتِه، لذلك نجد أثره في القصَّة التي تحمل عنوان المجموعة، فالمعطف والقبَّعة والثَّلج والمسدسات المحشوَّة مُعيَّناتٌ تنتمي إلى بيئةٍ أخرى غير البيئة المحليَّة، وفي ذاتِ الوقت توضِّح الإشارةُ كتابةَ القصَّة في مسقط!، وعلى الأرجح ربما يكون القاصُّ قد بدأ كتابة هذه القصَّة في أمريكا وأكملها في عُمان، أو أنَّ الفكرةَ ألحَّتْ عليه فكتبها لاحقًا في عُمان. من ملاحظة المكان في المجموعة يتَّضح أنَّ مازن حبيب بدأ كتابةَ القصَّة خارج عُمان، أو على الأقل فإنَّ مجموعته تُبيِّن أنَّ أوَّل قصَّة كُتبها كانت في أمريكا، ولهذا السَّبب ربما لم يقع، كأكثر أقرانه من كتَّاب القصَّة، أسيرَ مشكلة اللُّغة، رغم أنَّ مشتركَاتٍ كثيرة تجمع بينه وبينهم. إنَّ قصَّته عمومًا تبدو ذاتَ لغةٍ رصينة، متخلِّصةٍ من الزَّوائد اللَّفظيَّة التي لا تخدم السِّياق وتُبهر الكاتبَ حتَّى تتحوَّل إلى مركزٍ تدور حوله الكتابة دون أن تنزع إلى قصَّةٍ واضحة. هذه المشكلة عانت منها أيضًا كتابةُ أكثر كتَّاب القصَّة في بداية التِّسعينيَّات التي شهدت صدورَ مجموعةِ أعمالٍ كانتْ بمثابة التَّحوُّل من مرحلة الثَّمانينيَّات التقليديَّة في نتاجِها الأعمِّ، إلى محاولاتِ كتابةِ القصَّة القصيرة بمفهومٍ أكثرَ حداثةً في الشَّكل والمضمون، برؤى تجريبية مضطربة أحيانًا. في قصَّة "المسافر" نجد اللُّغة مقتصدةً، مليئةً بالأفعال، وهو ما يقطع دابر الدَّوران حول لاشيء سوى التَّنميقِ اللُّغويِّ والشَّخصيَّة الوحيدة التي يُحاصرها القلق دون أن تُفضي إلى حدثٍ مكتمل، أو تُصنَّفَ في النِّهاية كقصَّةٍ قصيرة، أو تصنَّف قصَّةً بما تحمله على كاهلها من زوائد وترهُّلات. السَّردُ هنا متماسكٌ ومكثَّفٌ ومحسوبٌ بدقَّة، وحتَّى عندما يُفصِّل الحدثَ تدخل التَّفاصيل لتخدم القصَّة: "قالتِ المرأةُ الشَّابَّةُ: "إنَّ هذه زيارتي الأولى للوطن منذ تسع سنواتٍ، ولقد نسيتُ أمرَ الضَّرائبِ المزعجة التي ندفعها لكلِّ شيءٍ هنا"، وتوقَّفتْ قليلاً، ثمَّ استطردتْ بحماسٍ: "أتعرفين أنَّني أحببتُ رخصَ الأشياء والضَّرائب المعفاة في بلاد الغربة؟....". (ص 79). لا نريد هنا إجراء مقارنات بل طرح سؤال اللُّغة الذي طالما أرَّق القصة وأصابها بالاكتئاب والضَّجر، دون أن تجد له إجابة أو احتمالاتٍ أمضى
وأخيرًا: إنَّ هذه العجالة تقترح عناوين عريضة لقراءةٍ متعمِّقةٍ مستقبلاً، وتُشير إلى أنَّ مجموعة "الذَّاكرة ممتلئة تقريبًا" تُقدِّم سردها كقصصٍ لا يستغرقها التَّجريبُ والتَّهويمات اللُّغوية ولا يُسيطران عليها على حساب القصَّة، وتشي القصص بانشغال كاتبها بتطوير إمكانيَّاتِه في كتابةِ القصَّة الطويلةِ المملوءة بالتفاصيل، الممتدَّة بلا فواصل، والقصَّةِ ذاتِ المقاطع، والقصَّة ذات العناوين الفرعية (أنظر أوقات السَّاعة كعناوين فرعيَّة في قصَّة "تأهُّبُ الدَّقائق"). سليمان المعمري لعل أهم ثمرة من ثمار الملتقى الأدبي للشباب الذي تنظمه سنوياً الهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية هو نفضه بين الفينة والأخرى الغبار عن كاتب موهوب وتسليط بقع من الضوء عليه .. وفي حالة مازن حبيب فلا أستطيع القول إن الملتقى هو الذي اكتشفه .. ذلك ن مازن كان معروفا قبل فوز قصته " الكابتن حمدان " بجائزة القصة في الملتقى ، من خلال قصصه المنشورة في موقع القصة العربية ، ومن خلال كتاباته القصصية وغير القصصية التي نشرها في ملحق شرفات أو مجلة نزوى ، ولكن يمكن القول إن الملتقى أزاح بعض الغبار الذي كان يعلو الماسة لتبدو أشد لمعاناً وبريقاً . لنتحدث إذاً عن " الكابتن حمدان " التي لا يمكن قراءة الحكاية فيها بمعزل عن الواقع السياسي العربي ( قضية فلسطين تحديداً ) .. إنها حكاية فريق لكرة القدم في إحدى الحارات العربية يحاول أن يمارس حقه المشروع في اللعب بسلام على ملعبه الأثير دونما جدوى ، فثمة تاجر ذهب جشع يصر على الاستيلاء على هذا الملعب دون وجه حق ليتصدى له حمدان ، قائد الفريق والمتحدث باسمه ( الكابتن بلغة الرياضيين ) .. ويجدر التأكيد أن هذه الصفة لم يكتسبها حمدان بالمصادفة أو لأن الحظ شاء ، بل بانتخاب معظم أعضاء الفريق له ( لنلاحظ هنا الدلالة السياسية لهدا الفعل ) .. ليس هذا فحسب ، بل إن حمدان أثبت أنه قائد / كابتن أصيل وحقيقي ، ليس بخطبه الرنانة ، ولا بكلامه المعسول ، بل بأفعاله ، فهو مستعد لأن يخسر المباراة النهائية التي ظل يلعب من أجلها عاماً كاملاً من أجل أن يسعف مصابا ليس من أعضاء فريقه الأساسيين ، كما أنه مستعد لتحمل المسؤولية كاملة عن تمرد لاعبي فريقه أمام جرافات التاجر الجشع ولو أدى ذلك إلى موته أو سجنه في مقابل حريتهم وحياتهم . ولكنْ لا يدخلنًّ في روع القارئ أن حمدان ، بأفعاله تلك صِدامي أو هاوي معارك ،بل على النقيض من ذلك هو مسالم جداً ، وله قلب فياض بالمحبة والعشق لحبيبته مُنى ( لنلاحظ دلالة الاسم ) القاطنة على مرمى حمامة زاجلة منه .. إن هذه الـ"منى" لا يمكن الوصل إليها إلا بحمامة ، ولذا كان بديهيا أن تثور ثائرة حمدان على " القط المشؤوم " عدو السلام ، الذي قضى على هذه الحمامة ...ولا يفوت الكاتب أن يشير إلى أن انتقام حمدان من هذا القط كان بالرصاص ، وبطريقة " تعلمها من التربية العسكرية " . ورغم صرامة حمدان ، ونيته الطيبة تجاه فريقه ، إلا أن ثمة أخطاءً فادحة ارتكبها هذا الفريق وقائده ، أدت في النهاية إلى فوز تاجر الذهب بالأرض / الملعب ، وانتصار "الأوغاد" برهوم سرّاق الدراجات ، وأولاد حارة عبدالعظيم ... من هذه الأخطاء استئثار فئة قليلة بالقرارات الحاسمة في الفريق وعدم إشراك بقية أعضائه فيها ، يتضح ذلك من شخصية طلال التي لا يمكن أن تَعْبُر أية فكرة ذكية أو مهمة إلى النور إلا من خلالها ... والأخطاء الأخرى ارتكبها حمدان نفسه ، فالوادي المليء بزجاجات السكارى المتكسرة وغير المتكسرة ليس مكانا ملائما للجري ، فكيف إذا كان هذا "الجري" في الليل ، حيث لا حارس يؤنس الوحشة ، ولا قنديل يهدي السبيل ... ولو أن حمدان تخيّر الأرض الصالحة للجري عليها ، وقام بهذا الفعل في وضح النهار لما ارتج دماغه ، ولا فقد ذاكرته / ماضيه . بهذا المستوى البديع من الإشارات والرموز تجري قصة "الكابتن حمدان" لمستقر لها متنقلة من حدث إلى آخر بسلاسة وبلغة بسيطة واضحة لا يعيبها إلا بعض الجمل الكليشيهية الجاهزة والتي يمكن أن أعزوها إلى العين التي يرى بها مازن حبيب إلى اللغة ، ليس في هذه القصة فقط ، بل في نصوصه الأخرى ( سعود وجامع البرتقال والمسافر وإنديا ليست من الهند والذاكرة ممتلئة تقريبا والخائنة ،....الخ ) .. فهولا يهتم باللغة قدر اهتمامه بالحكاية وتشابكاتها ومصائر أبطالها ، ولا يتعامل مع اللغة في هذا السياق سوى باعتبارها موصلا للفكرة .. يقول السارد في هذه القصة " صدقني ... فالقصص وحدها فقط تصف حمدان ، والكلمات تجهله " ... بلغة أخرى : يرى مازن أن لغة القص يجب أن تتوارى خلف الحدث ، لا أن تمشي بموازاته . ولعل هذا الاهتمام المبالغ فيه بالحكاية هو الذي جعل مازن يُسهب في مقدمة ' الكابتن حمدان ' في حين أن بداية القصة الحقيقة تبدأ بالتساؤل التالي : : " أين أنت يا حمدان ؟ " ، وما سبقها من كلمات ( يزيد عددها على 300 كلمة ) يمكن حذفه دون أن تتأثر الحكاية بشيء ، وبدون أن يؤثر هذا الحذف على سيرورة القص ... وما دمنا نتحدث عن المبالغة فيجدر القـــول إن 38 علامة إستفهــام ( حسب إحصاء شخصي ) في " الكابتن حمدان " هو أمر يفوق احتمال قصة قصيرة واحدة . بقي أن أشكر الملتقى الأدبي العاشر على إتاحته للقارئ التعرف على قاص موهوب أؤمن شخصيا أنه سيكون له في مستقبل الأيام مكان مرموق على خريطة القصة العمانية . =============== * نشر في عمود مراسي بجريدة عمان بتاريخ 11 أغسطس 2004م
|
A Mazin Habib Production: mazinhabib.info © 2007