|
لقاءات صحفية
حوارـ سالم الرحبي* بداية .. وبعد سنتين من إدارتكم لأسرة كتّاب القصة، ما هو الشيء الذي نستطيع القول ان اداراتكم الحالية حققته، سواء للأسرة وأعضائها أو للمشهد القصصي العماني بشكل عام؟ أتمنى أن نكون قد استطعنا من خلال دورية إقامة الأمسيات، بواقع أمسيتين تقريباً في كل شهر تقريباً، ترسيخ مفهوم انتظام الفعاليات (وإمكانية تحقيق ذلك خلال فترة محددة ضمن خطة مُعلنة ومحددة) باستمرارية إقامتها سعياً إلى إثراء ثقافة نقد سردية وقصصية احتفائية، تتوازى في مواكبتها وتتبعها مع المنتج الكمي الذي تم إنجازه. لقد حفلت قاعة النادي الثقافي بالكثير من النقاشات الانطباعية والنقدية أثناء الأمسيات، وكان طموحنا أن تستمر هذه النقاشات إلى خارج القاعة أيضاً، حيث يكون للقصة حضور على مستوى المتتبع والمهتم وهذا ما نحسبه تحقق أيضاً. * وما هو الأمر الذي التي كنت تتمنى أن تحققه إدارة الأسرة الحالية ولكنه – لسبب أو لآخر - لم يتحقق؟ وضعت إدارة الأسرة خططاً ومبادرات وتصورات طموحة منذ تسلمها إداراتها وتقدمت بها إلى إدارة النادي السابقة فالإدارة الحالية، لكن أغلبها إن لم يكن معظمها قد واجه إشكالية الدعم المادي وتوقف أما الميزانيات المحدودة التي كانت تكبل خياراتنا، في ظل تعذر إيجاد دعم يكفل تحقيق هذه المبادرات بالدرجة التي يتطلبها. منها كان إقامة الملتقى الثاني للقصة، وتطوير الموقع الإلكتروني للأسرة، وإقامة ندوات قصصية يحيها كتاب عرب، وطباعة كتب (وجد بعضها طريقه إلى النشر عبر قنوات أخرى)، وغيرها من المبادرات. أما على المستوى التنظيمي، كنا نتمنى أن يُفعِّل القاصون دورهم المأمول بشكل أكبر على المستوى العملي من خلال الإقبال والالتزام الذاتي بالعمل التطوعي، والذي أتى في كثير من الأحيان ضعيفاً ومتذبذباً، حيث وجدت إدارة الأسرة نفسها تنصرف في جهدها ووقتها إلى الاعتناء بتفاصيل كان يمكن أن يعفيهم عنها أعضاء الأسرة فيما التزموا بها وفق ما يسند إليهم. كنا نتمنى كإدارة أن يكون تركيزنا على وضع الخطط والآليات وإيجاد وسائل دعم أكثر من * الملاحظ أن معظم فعاليات الأسرة خلال هاتين السنتين ركزت على الاحتفاء بجديد الإصدارات، لماذا التركيز على الاصدارات فقط، وإهمال باقي الفعاليات التي كان من الممكن ان تتبناها وتنظمها الأسرة؟ ما حدث هو أننا تمسكنا بما استطعنا تحقيقه ضمن الإمكانيات التي أتيحت لنا وسعينا لها، وهي الأمسيات الإحتفائية بالإصدارات. كنا نعي أن الفعاليات الدورية كانت تشمل جزءً من عملنا، ولم يتوقف طموحنا لديها، بل توقف تنفيذها على عوامل مادية لم تتوفر لدينا. لكن ثمة ما ينبغي أن يقال فيما يتعلق بتنظيم الأمسيات خلال العامين المنصرمين، وهو أنه منذ عام 2006 شهدت الإصدارات العُمانية القصصية كماً غير مسبوق، كان حرياً منا مواكبته والاحتفاء به، قبل تكدس المجموعات القصصية حال صدور غيرها. أود كذلك الإشارة إلى أننا نوعنا في محتوى الأمسيات ولم تكن جميعها أمسيات متعلقة بالمجموعات القصصية الجديدة الصادرة، فكانت هناك "أمسية شعراء وأيضاً ساردون"، "السرد طريقاً إلى الشعر.. القصيدة النثرية الأمريكية نموذجاً"، "النص بعين الفنان التشكيلي"، كما خرجت الأسرة بإحدى أمسياتها من قاعة النادي الثقافي وأقامت أمسية مشتركة لطالبات موهوبات في مدرسة طيمساء بولاية نزوى. * شهد شهر ديسمبر من العام 2005 ملتقى القصة الأول في ظل الإدارة السابقة للأسرة ، والذي شارك فيه روائيون وقصاصون عرب كالروائي المصري ابراهيم عبدالمجيد والسعودي عبده خال ، والعراقي صلاح عبداللطيف .. لماذا لم يتكرر مثل هذا الملتقى خلال الإدارة الحالية للأسرة؟ قدمنا تصوراً شاملاً لإقامة الملتقى، وكان لدينا تصور بأن يكون عن القصة القصيرة العربية الحديثة وتحديداً في القرن الحادي والعشرين تتضمن محاور مختلفة من بينها القضايا التي تطرحها، الأشكال والتقنيات التي توظفها، الزمكان، وتداخلها مع الأشكال والفنون الأخرى، بحيث تتم استضافة كتاب ونقاد عرب وعُمانيين لطرح تجاربهم ومناقشة تلك المحاور. * عملك التطوعي كنائب لرئيس الأسرة.. ما الذي قدمه لك ، وما الذي أخذه منك؟ تجربة العمل التطوعي ذات مردود معنوي مُجز، خصوصاً حين يشعر المرء بالقدرة على العمل والإنجاز. لكن عندما يشعر أنه مكبل ضمن تعقيدات لا يستطيع التأثير عليها بشكل مباشر فإن الخيبة تعتريه. قدمنا إلى لأسرة بطموحات كبيرة، وتعلمنا شيئاً فشيئاً أن كثيراً من العوامل لابد أن تتضافر لتحقيق هذه الآمال، وهي ليست متاحة بالضرورة. فليست الأفكار الخلاقة التي قد تنقص المرء بل قدرته على تحقيقها ضمن خطة محددة. تعلمنا أن نكون واقعيين. لن أخفي أننا واجهتنا الكثير من الصعوبات و الاحباطات التي لم تكتب لكثير من المشاريع النور والتي كان المرء سيكون أكثر سعادة فيما لو تحققت. * سمعنا أن من بين اصدارات النادي الثقافي كتاباً يوثق أنشطة الأسرة.. لو تحدثنا عنه؟ "سعفة تحرك قرص الشمس"، وهو العنوان الذي وضعناه للكتاب، محاولة جزئية لتوثيق نشاطات الأسرة بتضمين أكبر عدد من الورقات النقدية التي تناولت الإصدارات القصصية والروائية خلال فترة إدارتنا للأسرة، الأمر الذي قيدنا بانتقاء عشر قراءات، وإن كنا نأمل أن نضم عدداً أكبر لولا الإشكالية التقليدية التي واجهتنا في صعوبة ضم ذلك في كتاب واحد. كما يتضمن الكتاب جدولاً بالفعاليات التي أقمناها، بالإضافة إلى قائمة بالمجموعات القصصية التي صدرت من عام 2000 إلى عام 2008. * موقع أسرة القصة بدأ منذ سنتين بشكل خجول .. وكان المعوّل أن يتطور خلال هاتين السنتين ، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن .. بصفتك مديرا للموقع ما هي الأسباب؟ أطلقنا النسخة المبدئية للموقع الإلكتروني للأسرة بعد يومين من انتخابنا جهود شخصية (ولا يزال)، وهو الموقع الأول بالمناسبة ضمن النادي الثقافي وأُسره. كان الهدف منه، ولا يزال بالمناسبة، إيجاد وسيلة إخبارية وإعلامية سريعة للإعلان عن خطط الأسرة وبرامجها وفعالياتها مع متتبعيها وأعضائها على أن يتم تطويره لاحقاً بتخصيص موارد كافية لإنشائه وإطلاقه ومن ثم تحديثه بالمحتوى، وقد قمنا بوضع تصور لكافة المتطلبات لإطلاق الموقع وتشغيله لمدة عام على الأقل، ضمن التصور السنوي للأسرة الذي تقدمنا به مرتين، ووضعناه بين يدي الإدارة السابقة للنادي الثقافي، لكن التصور لم يُعتمد مادياً. أما الإدارة الحالية للنادي فترى إنشاء موقع للنادي الثقافي ومن خلاله يتم تخصيص مواقع فرعية للأسر المختلفة، وهو الأمر الذي مازال العمل عليه جارياً. * ماذا عن تفاعل الأعضاء مع الأسرة وفعالياتها؟ نُثمِّن تفاعل الأعضاء والزملاء والأصدقاء النُّقاد والكتاب الإيجابي مع الأسرة سواء من خلال التفاعل في الأمسيات والإدلاء بمقترحاتهم وحتى المشاركة بكتابة الأوراق النقدية وهو مكسب حقيقي أن يظهر القاص الجانب النقدي فيه. وإن كنا نعتب عليهم أيضاً أحياناً التراخي الذي أبداه بعضهم معنا في أوقات كنا نأمل مزيداً من الدعم والمساندة في العمل. * يتردد أنكم ستدعون قريبا إلى انتخابات لاختيار ادارة جديدة للأسرة.. هل ما سمعناه صحيحاً؟ بنهاية العام نكون قد قضينا الفترة المحددة لنا في إدارة أسرة كتاب القصة، وبالتالي يتطلب الأمر إقامة انتخابات يختار أعضاء الأسرة طاقمها الإداري الجديد، وسنقوم بالإعلان عن التاريخ المحدد لهذه الانتخابات خلال شهر يناير المقبل. · كلمة أخيرة؟ نشكر كل من أسهم معنا بالعمل خلال العامين السابقين، وأتمنى أن نكون قد وفقنا في شيء مما عملنا به، وأن تكون المحصلة النهائية إيجابية ومتناسبة مع الإمكانيات التي توافرت لنا.
هذا هو النص الكامل للحوار الذي نشرته مجلة الواحة العُمانية في عددها السادس والثلاثين (أبريل 2008) بعنوان "الكاتب مازن حبيب صاحب الذاكرة ممتلئة تقريبا يتحدث عن ساحة القلق بين القصة والرواية والسينما" غير أن العدد المنشور لم يتضمن الحوار كاملاً كما تم، إذ اُقتطعت بعض من الأسئلة، واختصرت بعض الإجابات، وحذفت أجزاء منها دون العودة إلى المحاوَر، فضلاً عن الأخطاء الطباعية، لذا وجب التنويه على أن النسخة الكاملة للحوار هي المنشورة أدناه، مع تثمين الجهد الذي بذلته المحاورة في إعداد هذا الحوار.
حوارـ أنيسة العوفي(هل أخبرك يا صديقي أني كرهت إنسانا لا اعرفه صادفته عابرا مرة واحدة في حياتي، ولسبب لا يتعدى أنه ما انفك يراودني في أحلام اليقظة والنوم ويوشوش في أذني " إن كنت حقا تكرهني فاقتلني"؟!.) (قبل عامين - ثلاثة ربما - لا أكاد أذكر تحديدا، وعلى أية حال لا يهم هنا استحضار الذاكرة زمنيا فمقياس ما سأقوله ها هنا لا يؤطر بزمن، ربما لأن "الذاكرة ممتلئة تقريبا"، حدث أن قرأت لمازن حبيب نصه القصصي الفائز بالمركز الأول في مسابقة المنتدى الأدبي لعام 2004م بعنوان "الذاكرة ممتلئة تقريبا" فاستوقفتني هذه العبارة التي تثير في أي قارئ شغفاً بمتابعة خط سير الذاكرة في نص مليء بالجمال السردي حتى نهاية تأوه الذاكرة.
من خلال ما سبق ذكره كان لنا هذا الحوار مع الكاتب مازن حبيب فلتتجولوا فيه هونا.. 1- فلنسكب الكأس من أعلى. أنت كاتب وأديب، أصدرت مجموعتك القصصية الأولى"الذاكرة ممتلئة تقريبا" ولك تجربة جريئة في مجال كتابة سيناريو وإخراج فيلم العودة، وأحرزت الكثير من المراكز المتقدمة في مجال الكتابة الأدبية، كما شاركت في ملتقيات عدة هذا فضلا عن كونك مازن حبيب الإنسان المجرد إلا منه، فمتى ستكتب رواية؟. هل يتعيّن عليَّ أن أفعل ذلك؟. من المدهش حقاً أن يُتوقَّع دائماً (تقريباً) من كاتب القصة القصيرة كتابة رواية في مرحلة ما، كأن تكون القصة مرحلة إعداد لكتابة رواية. في حديث شخصي مع الروائي صُنع الله ابراهيم – الذي أُكبر أعماله الروائية بمختلف تناولاتها للمنعطفات التاريخية والسياسية والنفسية في المنطقة العربية – أشار لي بتهيِّب لا يمكن للمرء إلا أن ينحني احتراماً له أنَّ السبب الذي يجعله لا يكتب القصة القصيرة هو أنه يجد نفسه لا يتقنها من فرط صعوبتها. هذا وهو صُنع الله إبراهيم، أحد أهم الروائيين العرب المعاصرين!. لعل الرواية تفلح في الظهور بمظهر "ما بعد القصة" من خلال تراتبية الكتابة لدى كثير من القصاصين الذين أصبحوا روائيين مع الزمن بالإضافة إلى العناصر المشتركة التي تربطها بين هذين النوعين، إلا أنها ليست بالضرورة حالة تنسحب على كل كُتاب القصة. يأتي سؤالكِ في فترة لعلي أميل فيها إلى "التعصُّب" أدبياً قليلاً إلى فنِّ القصة القصيرة كونها فن ينبغي أن نجيده أكثر من أن نعتبره مرحلة انتقالية. أتفهم حين يُظنُّ أن قضية تعدد الأشكال السردية تكتسب حضورها حسب طبيعة النص وينبغي التعامل معها بمرونة، ولكنني لا أتفق أنها قضية ذات بُعدٍ شكلي محض. من الأجدر حقاً أن نعي الفنون التي نحن بصدد الحديث عنها، أن نستوعبها، أن نضعها في صورتها الكبرى. تتطلَّب الرواية، وعياً منظماً بالكتابة وآلياتها وتجربة متعمقة في الرؤى والأفكار، الأمر الذي يجعلها تُكتب في مرحلة متقدمة أحيانا (وإن ليس دائماً) من حياة الكاتب بطبيعة الحال، الذي يكون قد قُدر له كتابة القصة قبلها. ذكرتُ في مناسبة سابقة أنني أتمنى أن أجد نفسي أكتب "نوفيلا" (رواية قصيرة) في يوم ما، لكنَّ الإجابة التي كانت وقتها، ستكون كما هي الآن: أنني لا أعلم متى سيحدث ذلك، إن حدث. الحديث عن الرواية أنساني أن أشكركِ على استهلالكِ الكريم قبل السؤال. 2- فلنعد إذن إلى بداية الحبكة. بدأتَ بكتابة الشعر كما صرحت في حوار قرأته لك، لكنك قلتَ بأن القصة أقل تطلبا من الشعر، هلا وضحت معنى ما قلته؟. دعيني أحاول تذكُّر ما عنيته وقتها، إن قدرتُ، فإعادة تشكيل المعنى يقع ضمن مسؤوليات الذاكرة المعنية بالزمن. فضلاً عن المعاناة الشعورية التي ترافق وتتوافق مع أطوار كتابة القصيدة التي كثيراً ما ترتبط بتوتر انفعالي، لعلي كنتُ أشعر بعبء كتابة قصيدة مدهشة في ظل وجود تراكم شعري متصل عبر الزمن في التراث الشعري الإنساني. من المُستحيل تقريباً كتابة قصيدة مدهشة بالمعنى العميق للكلمة، بحيث تصبح هذه الدهشة سمة تلك القصيدة المُفترضة (لا أعني أنه أمر أقل استحالة مع القصة). يقع على شاعر اليوم، الجيد أعني، هذا العبء الثقيل، ولا أظنه يكتب القصيدة دون أن يعي هذه المسؤولية. تنسحب هذه الفكرة نظرياً وبالضرورة أيضاً على القصةً – وباقي الأشكال التعبيرية- وإن اختلفت التفاصيل المتعلقة بها نظراً لحداثتها وعمرها الأقصر نسبياً، لكن الأمر يؤول إلى تقدير الكاتب في تحديده للفن الذي يجده قريباً إلى روحه فقلمه، إلى المناطق التي يجد نفسه يحسن التعبير بها وفيها. 3- فإذن أنت لم تواصل كتابة الشعر لأنك تجده متطلب ومنهك، فهل تعني عبارتك هذه إن القصة مجال أرحب للتعبير، على العلم أن القصة تحتاج لوعي أكبر أثناء قراءتها في حين أن الشعر يصل كدفقة واحدة أثناء تلقيه من قائله؟ ليس لأنه متطلب ومنهك بالمعنى المباشر للكلمتين. القصة ليست أقل تطلباً وإنهاكاً إذا تحدثنا عنها بهذا المعنى. خلق الجمال أيما تشكل عملية مُتطلبة ومُنهكة لكنها تستحق كل العناء الذي في سبيله تبذل. بالنسبة إلي، أجل، وجدت نفسي أكثر قدرة على كتابة القصة، أكثر قدرة على التعاطي مع كيميائيتها، وهي قريبة من اهتماماتي الكتابية. قضية الوسيط الذي من خلاله يتم تلقي النص أظنها لا تلقي بظلالها على جودته الأصيلة. على القصة أن تصل إلى المتلقي وهو يقرأها. لا بأس إن لم تصل مسموعة، ووصلت مقروءة (الكاتب أحياناً لا يجيد قراءة نصه، ويسهم في الإساءة إليه في الأمسيات مثلا أثناء قراءته، لكن لن ندينه كلياً، إن أنجز نصاً مُلفتاً). المتفرج مثلاً ليس مطالباً بأن يُعجب بسيناريو الفيلم، لكن على الفيلم أن يكون مُثيراً للإعجاب حين يُشاهد على الشاشة. 4- هل وجدت نفسك بكتابة القصة القصيرة، أم أنك ستعود لاحقاً لكتابة القصيدة كونها البذرة الأم التي كشفت مازن حبيب لنفسه قبل أن يعرفه الناس كمبدع نثري؟. تقلقني مسألة "وجود" النفس هذه. حتى وإن شعرت بأنني "وجدت" نفسي في كتابة القصة القصيرة، فلن يعني ذلك أنني وجدتها تماماً. الكتابة أكبر من أن يستحوذ عليها المرء ويمسك بزمامها مطلقاً. إنها عملية مستمرة من التكشُّفات المتجددة التي يعرف المرء سلفاً أنه لن يدركها كلها في حياته. لعل هذا ما يجعل الأمر مُثيراً برمته: أن تعرف أنك لن تدرك ما تسعى إليه، ومع ذلك تجد نفسك تفعله. لا أعلم حقاً ما الذي سأكتبه في المستقبل. أتمنى أن أجدني أكتب دائماً، لكنه من غير المحتمل أن أرى نفسي أكتبُ القصيدة مرة أخرى، وإن كنتُ لا أحبذ إطلاق التنبؤات فهي كثيراً ما تخيِّب ظن المرء. سيكون خبراً ساراً، بالنسبة إلي، أن أُخيِّب ظني في هذا الأمر!. هل تعتقد أن كون المرء شاعراً في البداية ثم تحوله لاحقا إلى كاتب نثري/قصصي فلنقل، هل تعتبر أن هذا يؤثر على لغته أثناء الكتابة؟. لا يُشرع الحديث عن الشعر في حوار ما، إلا ونجده يستحوذ على مساحة سخية منه، ولذلك أسباب مفهومة في ثقافتنا العربية!. على أية حال، في الغالب تؤثر لغة الكاتب القادم من خلفية شعرية بحتة في كتابته القصصية. الكاتب نفسه لاحقاً سيثبت من خلال نصوصه ما إذا كان لهذه الخلفية توظيف إيجابي في منجزه السردي أم لا. يتعين على الكاتب أن يحسن أدواته طبقاً لنوعية اللون الأدبي الذي يكتبه، ووفقاً لمتطلباته ومعطياته. قرأتُ لك قبل وقت قصير مقالاً حول الكثير من الشوائب - إن صح التعبير- فيما يخص كتابة النصوص القصصية، وذكرتَ بأن هناك لبس بين كتابة القصة بأساليبها النثرية وبين كتابتها بأسلوب شعري فإذن ما معنى أن تكون "قصتك قصيدة" كما أوردت؟. فعلاً، استعرضت في تلك المادة من الملاحظات عن الآراء الانطباعية السائدة في الوسط القصصي بعنوان "كيف تعلم أنك تستمع إلى رأي نمطي حول قصتك القصيرة؟"، وأردت من خلالها إثارة نقاش هذه الأفكار والأسس التي ترتكز عليها. وكان أحد تلك الآراء التي تناولتها الرأي الذي حين يُعجب بقصة ما يصفها بأنها قصيدة، بكل ما في ذلك من مركزية للشعر ومن تقزيم وتحجيم للقصة التي – بالمناسبة - يقصد الإشادة بها في هذا السياق. الشعرية ليست حكراً على القصيدة، بل يكون لها نصيب في الأشكال الأدبية الأخرى. يحتل الشعر مكانة سامية في الثقافة العربية (الشعر ديوان العرب)، وكما في الثقافات الإنسانية بكل تأكيد، لكن لا ينبغي أن يكون التفاتنا للآداب الجديدة نسبياً التفاتاً مشوباً بنظرة تنتقص من أهميتها أو تشكك في قيمتها أو استقلاليتها. تتوازى هذه الفكرة سياقياً مع الحديث الذي شرعنا فيه بداية هذا الحوار. 5- كانت بداية اكتشافك لذاتك، أثناء دراستك بالولايات المتحدة، هناك كتبت قصتك الأولى التي كانت بمثابة اكتشاف لنفسك ككاتب قصة أولا، فهل تعتقد أن الإنسان بحاجة لتغير الأمكنة حتى يتمكن من اكتشاف نفسه؟ لابد للمرء أن يخرج من منطقة الراحة (التي قد يعلق فيها) في حياته كي يتمكن من رؤيتها بشكل مغاير، ويوجد من خلال ذلك مساحة فيها يحاول فهمها بشكل أعمق، بمستوى غير المستوى الأول الذي من خلاله قد لا يتبصر المعاني الكبرى التي يمكن استقائها من الحياة، حياة المرء نفسه، سواء تأتى هذا من تغيير المكان جغرافياً، أو الانتقال معنوياً خارج تخوم الذات أو الذوات الأولى. المكان عنصر من واحد فحسب من عدة عناصر أخرى تهيئ فرصاً لاستكشاف الذات والآخر والحياة بشكل عام. المكان بالنسبة لي كان اللغة، والآخر، والوطن، والغربة. لقد كانت الحياة الموازية التي حرضت على السرد. وحتى على المستوى الشخصي، كنتُ أتأمل في حيواتي وقصصي التي كنت سأعيشها لو كنت في مدن أخرى غير التي كنتُ فيها 6- يقال بأن القصة فن الحكي والسرد، وليس فن التراكيب العميقة والصور البلاغية، كيف تجد هذا القول؟. أجدني أميل إلى قول إن ما ذكرتِه هي بعض عناصر القصة وليست محصورةً فيها، وأظن أنَّ ذلك الذي تعنيه. تلامس القصة المعنى الذي يستمد من الكلمة فيخلق صورة، الصورة التي تُحدث أثراً غائراً. القصة ليست شكلاً منمقاً أو شفرة مركبة. لا أبالغ (وإن بدا ذلك) حين أقول إن الجملة الأولى من القصة القصيرة قد تحدد مصير علاقة القارئ الأبدي بها. أجل قد يصبح الأمر بهذه الدرجة من الحسم لدى القصة القصيرة، لكن حينما تصل القصة ( يصل أثرها أعني) إلى القارئ بحيث تثير انفعالاً (لحظياً كان أم دائماً) فإنها أيضاً تصبح حاسمةً فيما تفعله في جوارح المتلقي. إن أخبرك قارئ إنه لم ينم البارحة لتأثره بمصير شخصية إحدى قصصك مثلاً، فلقد اخترقت روحه ووصلت إليها. 7- هل هذا هو معنى ما قلته بأن القصة أصاب لغتها شعرنة بحيث التبس بها ما هو فن نثري/سردي بمآخذ شعرية/بديعية؟. لن نملَّ من قول إن القِصَّة في عُمان مُتمثلة في بعض نصوصها التي كتبها أصحابها في مراحل مختلفة من الوعي والتجربة وقعت في هذا الالتباس. ستكتسب القصة شعريتها من عناصر أخرى غير اللغة أيضاً، إذ لا تنحصر حدودها في نطاق الكلمات. يأتي قصور استيعاب الشعرية في القصة القصيرة في تضييق أفقها ضمن نطاق اللغة وإهمال عناصر الحدث والزمن القصصي والشخصيات مثلا. 8- وقعت كثيراً في شرك المكان، فالمُطلع على مجموعتك القصصية "الذاكرة ممتلئة تقريبا"، يجدك تجاوزت محيطك الكتابي المحلي، وذلك بتأثرك بالأفكار القصصية الغربية. ومن حيث اللغة والأبعاد المكانية والزمانية فهل خدمك هذا الاتجاه في التنويه لمازن حبيب كصورة قصصية مغايرة عن المألوف؟. سيسعدني أن يشعر القارئ بأنه يقرأ قصصاً مختلفة. لا أعلم إن تأثرتُ بالمعنى المباشر الذي يبدو من توصيفك، لكن الذي أعيه أنني لم أفكِّر في قضية المحلية وأمر تجاوزها من عدمه أثناء كتابة النصوص خصوصاً النصوص التي كتبتها في أمريكا، بالقدر الذي وجدته، بعد نشر النصوص في عُمان، يتصدر بين حين وآخر ملاحظات القراء والكتاب العُمانيين التي تصلني عن قصصي. ما أستطيع قوله إن العوالم المكانية، سواء التي تنعت بالمحلية أو الغربية حسب تعبيرك، ترتبط - في أفضل الأحوال - ببنية النصوص من تلقاء ذاتها، على أن لا يكون لإيجادها وظيفة شكلية محضة. في قصة "الذاكرة ممتلئة تقريباً"، بما أنكِ ذكرتِ اسم المجموعة في معرض سؤالكِ، إحدى الشخصيات القصصية المحورية على الأقل ترتبط مكانياً وروحياً ببيئة لن يصح، بالتفاصيل التي وردت في القصة، أن توجد في بيئة محلية (عُمانية). أحياناً لا يغدو المكان الذي تقع فيه أحداث القصة خياراً طبيعياً للقاص (على الرغم من أنه كاتِبُها) أو حتى شخوصه، تماماً كما في القصص التي تقع في حياتنا حيث يحدث أننا لم نختر في لحظة أو لحظات معينة الأماكن التي تحدث أقاصيصنا الحياتية فيها. المفارقة ربما هي أن يكون لبعض الأمكنة التي كُتبت فيه بعض قصص تلك المجموعة (بذاكرتيها؛ الثانية والأولى) دوراً عكسياً في التأثير على الأمكنة التي تقع فيها أحداث القصص، بحيث تحرض الذاكرةُ الحاضر على استعادة وإعادة تشكيل الغائب في الوعي؛ قصتا "الذاكرة ممتلئة تقريبا" و "إنديا ليست من الهند" مثلاً كتبتا في عُمان، وقصتا "سعود" و"الخائنة" كتبتا في أمريكا. 9- هنا أستحضر ما قاله عنك الأديب "سالم آل تويه" بان إقامتك بالخارج أثناء الدراسة هيأ لك بعدًا مختلفا من حيث تناولك للمادة القصصية والتحكم بسيرها في محيط زماني ومكاني بشفافية أكبر عن ما حدث مع آخرين غيرك من الكتاب، إذ حبستهم الفكرة في محيطهم المكاني المحدود. هل تعتبر ما قاله عنك مؤشر بالاتجاه الصحيح بالنسبة لخط سير القصة بمفهومها الحديث؟. إلى حدٍ ما أتاحت تجربة السفر المرتبطة بالظرف الدراسي ما لم يتحه إلى أقراني وقتها، لكن الأماكن وحدها لا تحرض على إيجاد الحالات القصصية وإن كانت تسهم في ذلك. في مجمل الأمر، علي أن أقول أنني مازلت أستفيد من ثمار تلك التجربة. أحاول كتابة القصة القصيرة كما أعيها وأفهمها. على القصص أن تنفتح على الحياة لتشبهها، لا لكي تعيد تسجيلها، فتلك ليست قضية القصة الأولى. عليها أن تخرج من نطاق معالجة شخصية الأديب المثقف المعزول الحانق المتخاصم مع العالم في غرفة مغلقة إلى أفق تعقيدات النفس البشرية ومصائرها المتشابكة وسؤال الحياة القلق. عليها أن ترصد لحظات البهجة والأمل فيها أيضاً فهي كذلك منها. حين نقرأ ما يكتبه القصاصون (لا الروائيون فحسب)، في العالم سنعلم إن كنا نتوازى، أو نتقاطع، أو حتى نتنافر في تجاربنا الكتابية مع ما ينجز لديهم، وسيكون من الأكثر سياقية أن نقيَّم إن كانت اتجاهاتنا الفنية (لا الموضوعات بحد ذاتها) في الكتابة القصصية المعاصرة تسير بالاتجاه "الصحيح" (مع التحفظ على هذا الصفة) وفق مفهومها الحديث. 10- قلت عن نفسك أن ولعك بالسينما كان نديم لكتابتك القصة و كبداية لك وأنت بالخارج ، فكيف ساعدك هذا التناغم لاحقا بمشاركتك في إعداد سيناريو وإخراج فيلم العودة؟ وكيف تقيم هذا التجربة؟. لعل المواظبة على مشاهدة الأفلام كانت مدخلاً أولياً لاستيعاب فن القص مع مراعاة الفروق الأدبية والفنية التي ينبغي الانتباه إليها والحديث عنها بحذر لتفادي تسطيح الأسس التي يقوم عليها هذين الفنيين المستقلين والمتقاطعين في آن واحد. من البديهي أن القصة في السينما ليست هي القصة القصيرة في المجموعة القصصية، لكننا حين نشاهد فيلماً نجدها وكأنها كذلك. قد تأتي "الاستفادة" من تراكم المشاهدات في اللاوعي من خلال توظيف بعض التقنيات السينمائية واستيعابها في سياقها الملائم قصصياً.. سأدع تقييم تجربة فيلم "العودة" لمن أطلع عليها، لكن الذي أستطيع قوله أنني سعيد أنني خضتها مع زملائي وبالردود الإيجابية التي صاحبت عرض الفيلم في عدة مهرجانات سينمائية. للفيلم القصير عموماً حساسية مختلفة تتطلب التعامل معها مراعاة الكثير من الدقة، تماماً كما سيتطلب تلقيه عناية فائقة من قِبل المشاهد. 11- القارئ لنصوص مازن حبيب يجدها مبنية على السرد في مجملها، أي أنها لا تقوم باسترجاع الأحداث وصفها بقالب قصة. مع ذلك أرى أنه لا يخلو الأمر من أن تلتبس اللغة بذاتك الساردة , فهل يعني ذلك تناقضا مع رأيك في أن لا يكتب الكاتب لنفسه وان عليه أن يتجاوز ذاته بالنص فيخلق شخصياته القصصية بصورة تفصله عنها ككاتب؟ بمعنى أخر هل يكتب مازن حبيب ذاته في قصة؟. لا أعرف كاتباً لا يكتب من ذاته، دون أن يعني ذلك أنه يكتب ذاته أو عنها. 13- ماذا تثير في داخلك هذه الدلالات (الكتابة سيئة أساساً ، إنها لا تقرأ) جيفارا.. إن لم أكن مخطئاً، فإن المفارقة أنني "سمعت" هذه الجملة للمرة الأولى من شخصية جيفارا في الفيلم المؤثر "مذكرات الدراجة النارية". حين سمعتها قهقهت كثيراً في البداية (كواحدة من الانفعالات العديدة الذي يثيرها الفن بصورة غير مباشرة ويحرضها في الإنسان) لأن مضمون الجملة هو الأمر الذي نعيه جيداً - كمحاولين في الكتابة - لكننا نتجاهله لحسن الحظ. الأدب المساحة الملتبسة بالحياة، تلك التي تمنحها الأمل، وهو ما يكسبني توازني الإنساني في الاختلال الذي تحدثه الحياة بماديتها. عبدالرحمن منيف هو "البدايات" في الشغف بالسرد قراءةً، على غرار عنوان روايته "النهايات". الذاكرة ممتلئة تقريبا سيبدو لي أن ذاكرة الإنسان أصبحت أكثر مؤهلة للامتلاء من ذاكرة الآلة في هذا الزمن. مازن حبيب أتمنى لو أفهمه أكثر قليلاً!. سكبنا الكأس من أعلى. في البداية فقلت بأنه لا يتوجب حتماً على كاتب القصة أن يتحول لاحقا لكاتب روائي. فاستوعبت تعصبك الأدبي في فن القصة الذي ينبغي عليه أن لا يكون مرحلة انتقالية، لكن و"عندما يفيض الكأس بنا" ماذا يمكن لمازن حبيب أن يرجوه من إنسانه في القادم؟. أن يصبح أكثر إنساناً في كل مرة.
حوار مع محمد الغربي عمران لصحيفة الثورة اليمنية ونادي القصة اليمنية فزت بعدة مراتب، في عدة مسابقات أدبية محلية ماذا تمثل لك؟ الفوز بطبيعة الحال له أثر إيجابي في الاحتفاء بالنص وتأكيد حضوره من بين النصوص المتقدمة للمسابقة وبالتالي تعزيز ثقة القاص بكتابته. لكن لا تمثل نتائج هذه المسابقات أحكام نهائية على الكتّاب ونتاجهم الإبداعي بل تشير في أفضل الأحوال إلى المتميز منها في ظرف المسابقة. أود الإشارة أيضاً أن بعض الظروف التي تحيط بالمسابقات لا تخضع دائماً لمعايير إبداعية مطلقة، لأنها تعتمد أساساً على مُحكمين، تتفاوت آرائهم الانطباعية (أو النقدية في أفضل الأحوال) باختلاف مشاربهم ونظرتهم وذائقتهم للقصة القصيرة. إن استطاع المرء المشاركة بهذه المسابقات والخروج منها بأفكار وملاحظات من شأنها تجويد كتابة النص القادم، فيكون قد أنجز الكثير. كيف عرفت أنك قاص؟ لا أعلم تحديداً، لكن الذي يمكنني قوله هو انه تشكل في داخلي شيء من الولع بالأدب في المراحل المبكرة، وانعكس هذا الولع بمحاولات أولية لكتابة الشعر، كما يشرع الكثير من الكتاب في بدايتهم الأدبية. لكن في خريف 1998، بعد عدة أسابيع من وصولي إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة وقتها شرعت في كتابة أول قصة قصيرة دون وعي مسبق بالذي كنت أكتبه، ولحقها عدة محاولات متقطعة وقتها إلى أن عدت إلى عُمان وكثفت من كتابتي القصصية. يروق لي إذاً أن أربط دخولي عالم القصة بدهشة المكان ووطأة المسافة. أبرز الكتاب وأعمالهم التي أثرت في أعمالك المرء يتأثر خلال فترات كتابته المختلفة بعدد كبير من الكتابات، أما مدى ظهور أثر هؤلاء الكتاب على كتابته فهي قضية أخرى، في تصوري. وحيث أن كتابتي مازالت تتشكل في أطوارها الأولى إلا أنني تأثرت في البداية بشعر أبي القاسم الشابي، ودفع بي ذلك إلى كتابة الشعر وقتها، ومن ثم تعلقت براويات عبدالرحمن منيف خصوصاً رواية "شرق المتوسط"، ومن ثم صنع الله إبراهيم مبدئياً في رواية "اللجنة"، ومن ثم أطلعت على قصص مختلف الكتاب العرب والأجانب. تستهويني كتابات عزيز نيسين حالياً. النقد ماذا يمثل لك؟ النقد رديف للكتابة الإبداعية ومواز لها، على عكس ما هو سائد عموماً من انحسار في النقد الأدبي من الناحية الكمية، على الأقل، بالمقارنة مع ما ينتج من كتب أدبية في المقابل. يفترض أن يسهم النقد في إعادة إنتاج النص وإبراز الجماليات التي يمكن أن يقترحها العمل الأدبي أو المَواطِن التي لا يوفق في طرحها. أحياناً يصطدم الكاتب بالنقد المرتبط بالأحكام التقليدية المسبقة التي تحصر المحاولات الإبداعية للابتكار في أطر ضيقة ولا تسمح لها بالتحليق في فضاءات أرحب من النظريات الجامدة (خصوصاً حينما ينطلق النقد من نظريات عامة، ولا ينطلق من النص ذاته). لكن موقفي من النقد الموضوعي إيجابي بشكل عام. أسماء سردية في القصة تمثل الريادة، وأسماء للتواصل، وأسماء تبشر بغد قصصي، في المشهد القصصي العماني؟ رغم العمر النسبي القصير نسبياً في تجربة القصة القصيرة العمانية إلا أنها أنتجت مشهدا قصصياً متبانياً فنياً وكمياً ونوعياً تظهر أثاره في المجاميع القصصية التي تتواصل إصداراتها وفي النصوص التي لم يصدر كتابها مجموعاتهم الأولى رغم قدم تجربتهم في الكتابة القصصية وعدم انقطاعهم عنها إلى اليوم، وإن قل نتاجهم الجديد، في ظل مثابرة بعض الكتاب الجدد في إصدار أعمالهم مما ينشأ حالة من "المجايلة الأدبية" في الإصدارات لكتاّب من أجيال مختلفة. غالباً ما يشار إلى عبدالله الطائي وأحمد بلال عند الحديث عن ريادة القصة العمانية في الفترة التي مثلت الخطوات الأولى في الاشتغال القصصي، ثم جاء سعود المظفر في السبعينيات مع آخرين الذي ظهرت كتاباتهم في الصحف. ثم ظهرت الثمانينيات والتسعينيات تجارب أكثر وعياً ونضجاً في اشتغالها الأدبي مثل محمد القرمطي ومحمد اليحيائي وعبدالله حبيب وتواصلت نتاجاتهم مع الجيل الجديد وقتها في فترة التسعينيات بتفاوت مستويات كتابها الفنية وصولاً إلى الألفية الجديدة حيث تمثل هاتان الفترتان الأخيرتان حضوراً قصصياً سواءً من هؤلاء الذين تكللت مسيراتهم بإصدار مجموعات قصصية التي مثلت وقتها (أو مازالت تمثل لدى البعض) نشاطاً قصصياً ملحوظاً، وهم (دون ترتيب تفضيلي): على المعمري، يونس الأخزمي، محمود الرحبي، علي الصوافي، محمد البلوشي، يحيى سلام المنذري، خليفة بن سلطان العبري، سالم الحميدي، نمير آل سعيد، حمد رشيد، سليمان المعمري، عبدالعزيز الفارسي، حسين العبري، الخطاب المزروعي، طيبة الكندي، خولة حمدان، جوخة الحارثي، بشرى خلفان، زوينة خلفان، سالم آل تويه، محمد بن سيف الرحبي، خالد العزري. ومن ضمن الأسماء التي ظهرت كتابتها في نفس الفترة أو (قبلها) لكنها لم تصدر إلى الآن (دون ترتيب تفضيلي): عبدالله بني عرابة، عبدالحكيم عبدالله، سمير العريمي، خالد عثمان، أحمد محمد الرحبي، ناصر المنجي، ناصر الغيلاني، جمال الغيلاني. ومن الجيل الجديد الذي أنتمي إليه، ثمة أسماء تواصل اشتغالها الجاد في القصة من أمثال (دون ترتيب تفضيلي): هلال البادي، سعيد الحاتمي، هدى الجهوري، معاوية الرواحي، حمود الشكيلي، نبهان الحنشي. هذه محاولة لتوصيف المشهد العام ولا تقترح إقصاء أو إنكار من غابت عني أسماؤهم في هذا السياق من مختلف الأجيال. اللغة والاشتغال بها على حساب السرد، رأيك؟ دائماً ما يشار إلى اللغة والحدث كطرفين لدودين في بنية القصة العربية القصيرة، ذاك أن مجموعة كبيرة من الكتاب المفتتنين باللغة يدخلون القصة القصيرة بثقل اللغة على حساب الحدث، فينشأ من ذلك نص بطيء غير قصصي ( شعري سردي في أفضل الأحوال) أقرب إلى الكتابة الأدبية منه إلى القصة القصيرة بنموذجها الحديث (الذي سنختلف، في الغالب، في تأطير حدوده). شخصياً انتصر للقصة، للحدث وللسرد أعني، قدر الإمكان، وللآليات التي تتعلق بهما تقنياً فتأتي اللغة في السياق الذي يتطلبه الحدث القصصي. دائماً ما تستفيد الكتابة الإبداعية من الأشكال الأدبية الأخرى، والقصة القصيرة ليس باستثناء هنا، لكن أرجح أن تتم هذه الاستفادة بما تقتضيه طبيعة الفن ومايتطلبه. مسقط عاصمة الثقافة 2006 ماذا تنتظر منه هذه السنة كقاص؟ أنتظر الكثير، في الواقع. كنا نأمل في برنامج ثقافي يزخر بالفعاليات المختلفة غير تلك الموسمية التي تتكرر بين سنة وأخرى، وهاجس كل كاتب عماني أن لدى عُمان وكتابها أكثر بكثير مما يقترحه البرنامج الرسمي الذي لا يتناسب مع مكتنازاتها التاريخية والحضارية. أحدس أن فكرة العواصم الثقافية لا تقتصر على تسليط الضوء على العاصمة الثقافية ذاتها بقدر ما تسلط على إشهار الوعي للعمل الثقافي وأهميته كجزء لا يتجزأ من الحياتي اليومي، بحيث يشعر المرء بفقد توازنه إذا لم يحصل على جرعة كافية منه. القصة اليمنية هل تعرف بعض الأسماء هل قرأت ومار أيك؟ ثمة أسماء أطلعت على عدد قليل ومتفرق من إنتاجها بما لا يسمح لي أن أقدم رأياً مفصلاً فيها، لكن آخر ما قرأت كان لوجدي الأهدل الذي تعجبني كتابته. القصة في اليمن في نشأتها المبكرة نسبياً واكبت مراحل مهمة في التاريخ الحديث للبلد وللمنطقة ما أنعكس وأثرى في كتابتها. كيف ترى أن تكون العلاقة بين كتاب السرد في السلطنة واليمن؟ ثمة علاقة تاريخية وجغرافية وحضارية وطيدة بين البلدين، وأظن أن الوقت قد حان لإذابة الحاجز الوهمي بينهما بتفعيل الدور الثقافي بين الكتاب أنفسهم. إن لقاء أدبي واحد سيتكفل بالتعريف على شريحة كبيرة من التجارب. ينبغي إيجاد قنوات إتصال فاعله تسهل إيصال الكتاب قبل الكاتب، وأرى أن تلعب الملاحق الثقافية في السفارات دوراً فاعلاً فلا يخرج هذا عن نطاق عملها المعهود، كما للملاحق الثقافية في الصحف دوراً آخر في تسليط جزء من مساحاتها للتعريف بكتاب القصة. أقترح إصدار مجموعات قصصية مشتركة وتبادلها في البلدين وخارجهما، بالإضافة إلى إنشاء فضاء إلكتروني مشترك للأسر القصصية. ثمة الكثير الذي يمكن عمله، لو تمكنا من تبني أياً من هذه المقترحات وما يشابهها. كلمة تريد قولها. أشكرك شخصياً على العمل على هذه المبادرة في التقريب بين كتاب عُمان واليمن وحرصك على توطيد هذه العلاقة، وأتمنى أن تكون بداية جديدة لمزيد من الحراك الثقافي بين مسقط وصنعاء. القاص مازن حبيب :الرواية هاجس حاضر وليس من الضروري إغراق النص بالمفردات العمانية لكي يكون عمانياً حوارـ سالم ربيع الغيلانيعلى
الرغم من أن مازن حبيب حاصل على شهادة البكالوريوس من جامعة أريزونا الأميركية في
تخصص علوم الحاسوب وتخصص فرعي في دراسات الشرق الأدنى. إلا أنه مسكون بشغف اسمه
الأدب، يستهويه الشعر والسفر والموسيقى والسينما، ويعشق الجمال كيفما تبدى. هو قاص
لا تملك أن تقول حين تعيش كتاباته سوى أنه قاص مختلف ! فنصوصه تجعلك تشعر بنهم
مجنون لإعادة قراءتها المرة تلو الأخرى لأنك دوماً تكتشف فيها الجديد ، وفي كل جديد
هناك جديد آخر ، كعقرب الساعة يدور بنفس الوتيرة ولكن كل دورة له تحمل إيقاع مختلف
للمكان ولنا وللحياة . كتاباته تملأك بالرؤى و تجعلك دائم الالتفات بحثاً عن شخوص
تعرفهم تدقق في التفاصيل بحثاً عن مكان ألفته عن وجوه تعشقها،عن الحلم الذي تشكل من
مداد وكلمات خطتها يد مازن حبيب المبدعة الذي كان للوطن الثقافي هذا الحوار معه . · لماذا اخترت القصة القصيرة كاتجاه أدبي ؟ ** أنا لا أخفيك سراً بأنني بدأت بكتابة الشعر، وكانت لي العديد من المحاولات حظي بعضها بالنشر في إحدى الدوريات العربية، إلا أنني لم أواصل في هذا الاتجاه إذ وُلعتُ لاحقاً بالقصة القصيرة فهي بصورة أو بأخرى أقل تطلباً من الشعر وتمكنت من خلالها من التحليق إلى الأقاصي البعيدة .
· وكيف تم هذا التحول من الشعر إلى القصة القصيرة ؟ ** في الحقيقة أن أول محاولاتي القصصية كانت أثناء دراستي في الولايات المتحدة وذلك عقب وصولي إلى هناك في أواخر صيف عام 1998 وقد كتبتها بلا إدراك تقريباً، وأعتقد أن صدمة المكان، بكل ما في الصدمة من وطأة، واستحواذه كان له الأثر في تهيئتي لكتابة القصة مأخوذاً بالهوة التي باتت تفصلني عن ذاتي التي أعرفها واكتشافي لأناي الأخرى المجهولة والتي تحتاج لشيء آخر غير الشعر للتعبير عنها، فوجدت ضالتي صدفة في القصة القصيرة، وتلك الفترة كانت فترة انتقالية مهمة بالنسبة لي على المستوى الشخصي إذ كنت في طور الانتقال من مرحلة المراهقة التي خلفت جزء كبير منها في الوطن وتخطيت المتبقي منها في الولايات المتحدة لانتقل إلى حياة جديدة تلتقطها العين برؤية مختلفة.
· هل نستطيع أن نعتبر الغربة استطاعت أن تكشف مازن حبيب لمازن حبيب ؟ ** نعم، فالغربة تعري الإنسان حتى في أبسط وأدق التفاصيل الصغيرة ما يخلق غربة أخرى هي غربة الداخل، أي غربة الذات حيث يجد المرء نفسه خلال فترة توحده الطويلة في مواجهة مريرة مع الذات التي يعيد اكتشافها من جديد في نواحٍ شخصية وإنسانية شتى، ما كنت لتظهر للمرء لو لم يتغرّب، وهذا ما حدث لي وساهم في تشكيل كثير من مفاهيمي وإدراكي وقادني للتعبير عن مكنونات نفسي بشكل مختلف من خلال كتابة القصة القصيرة .
· وهل كتبت الشعر خلال هذه الفترة ؟ ** نعم، كتبت بعض القصائد ولكن لم أقم بنشرها، لأن الشعر كما ذكرت سابقاً مُتطلّب ومُنهك على كافة المستويات، أما القصة، فكان لي فيها مساحة رحبة وأرضاً خصبة، و كانت تمنحني ذلك الشعور الدافق بالحياة والرضا الذي يصاحب إنجاز كتابة قصة قصيرة.
· إذاً هل نستطيع أن نقول أن القصة حلت محل الشعر لديك ؟ ** أولاً، لا ولم أعتبر نفسي شاعراً وما كتبته لا يعدو أن يكون أكثر من محاولات لكتابة الشعر، على عكس القصة القصيرة التي تلاءمت معها وحققت من خلالها شيئاً من الحضور. ما أستطيع قوله هو أن علاقتي بالقصة قد توطدت أكثر مما قبل بالقراءة والكتابة.
· كيف تتولد أفكارك القصصية ؟ ** لا يوجد شئ محدد بالنسبة لتولد الأفكار لدي أو اختيارها كما لا توجد لدي طقوس معينة لذلك وفي أحيان كثيرة تكون الفكرة وليدة الصدفة ، فهي ومضة، و التقاطة عابرة يتوقف الزمن عندها فتحرض وتحفّز وتستفز القاص في داخلي للتعبير عنها وتحويلها إلى مشهد يبرز جميع تفاصيلها الخفية ، وأحياناً تكون الفكرة وليدة تداعيات الداخل وإفرازاته والتراكمات التي ضاق بها لتخرج مشاهد وأفكار متفرقة تتشكل تلقائياً في قصص قصيرة، وأحياناً أيضاً تكون وليدة الخيال المحض أو هيمنة الكلمة حين تأتي محملة بالمعاني والدلالات لذلك من الصعب تحديد مسار الفكرة أو كيفية تولدها.
· هل يوجد لديك طقوس معينة للكتابة ؟ ** كما أسلفت، لا يوجد لدي طقس محدد التزم به في الكتابة، فأنا حين أرغب في الكتابة لا ألتفت لطبيعة الأجواء حولي، فالكتابة حين تتملكني تكون ملحة وموتّرة ولا تترك لي المجال لتهيئة مناخ معين. ما يهمني أن يكون أمامي جهاز حاسوب فأنا لم أعد أكتب على الورق، بل أفضل طباعة أفكاري مباشرة، ولعله يكون طقساً إذا اعتبرنا الكتابة على الحاسب الآلي طقساً كتابياً، ولا ضير إن صاحب ذلك قدح من القهوة أو الشاي!
· المطلع على كتابات مازن حبيب يجد أنه متأثر بالقالب الغربي فماذا تقول ؟ ** نعم، هذا صحيح إلى حدٍ ما ، وهذا ليس اختياراً عشوائياً أو اعتباطياً بل هو محاولة للتقريب بين القالب الغربي والعربي لغة ومضمونا لأن القصة العربية بشكل عام والعمانية على وجه الخصوص تعاني من مشكلة شعرَنة القصة لدى الكثير من الكتاب ولا ينبغي لها- أي القصة- أن تحاول أن تكون قصيدة، بل هي في إحدى صورها فكرة تُبتكر ضمن نطاقها السردي وتقفل بتناسق وتسلسل منطقي، والقصة العالمية على سبيل المثال لا تعتمد في مجملها على إيقاع اللغة بقدر اعتمدها على إيقاع الفكرة وتطورها، والتي بدورها تخلق لغتها الخاصة حسب السياق الذي تتضمنه .
· إذا هل نستطيع أن نقول أنك مهموم بالتجديد وإيجاد قالب جديد لكتابة القصة القصيرة العمانية ؟ ** نعم فيما يتعلق بالتجديد، لكن أنا لا أطالب بالضرورة تغيير شكل القصة أو أسلوب كتابتها وأرجو أن لا أفهم على هذا النحو، ولكنه الأسلوب الذي انتهجه والذي أستطيع من خلاله التعبير عن أفكاري، وهو الشكل الذي ينتهجه كثير من الكتاب العالميين مع فارق التشبيه، فبعض التجارب في القصة العمانية للأسف تتجه إلى الجانب المغرق باللغة وتتخذه هدفاً مع تغييب مباشر للحدث الذي ينبغي أن يتطور ويستقل بذاته، كما أن شخصية الكاتب نفسه تكون حاضرة بشدة في بعض تلك النصوص بأسلوب لا يُجوّد النص ولا يتيح له المجال للتحليق والتعبير عن نفسه بحرية أكبر.
· إذا يمكننا أن نقول أن مازن حبيب ينتمي لمدرسة تشيخوف ؟ ** لي الشرف أن أكون تلميذاً مجتهداً في مدرسة القصة الإنسانية، إن صح التعبير. · لمن تقرأ من الكتاب ؟ ** أقرأ لعبد الرحمن منيف الذي كانت بداياتي معه وفي مرحلة مبكرة، كنت أواظب على قراءة عمل جديد من أعماله كل عام خلال عطلة الصيف ، كما أقرأ لصنع الله إبراهيم ولي قراءاتي في الأدب العالمي فأقرأ لوليام فوكنر، وأو. هنري وأدغار ألن بو وبورخيس وغراهم غرين وغيرهم من الكتاب ، ومشروعي القادم هو أعمال الروائي الروسي الكبير ديستويفسكي .
· ولكن أين القصة القصيرة من قراءاتك ؟ ** مؤخراً كثفت من قراءتي في القصة القصيرة وأطلعت على العديد من الأعمال القصصية في السلطنة مؤخراً والدراسات المتعلقة بها. كما أطلعت على بعض الأعمال العربية الرائدة مثل كتابات زكريا تامر ويوسف إدريس ، وأنا الآن مهتم بالتعرف على التراث الأدبي العالمي ولقد قرأت مؤخراً بعض النصوص القصصية الألمانية والإيطالية والإسبانية والرومانية وقصصاً من أمريكا الجنوبية ، فأمر الإطلاع على التراث العالمي جزء لا يتجزأ من التزود بالثقافة الإنسانية.
· لماذا تختفي الخصوصية العمانية في كثير من أعمال مازن حبيب ؟ ** ليس تماماً. لكن رأيي في الخصوصية، سواء كانت تتعلق بالمكان أو الشخصية أو اللغة، تفرضها طبيعة النص وهو من يحدد ضرورة وجودها من عدمه، مع أن العديد من الكتاب العمانيون يتعمدون "تعمين" النص القصصي رغم أنه قد لا يحتمل ذلك مما يفقده الكثير من قوته ويحصره في نطاق ضيق ومبتذل، وهذا بدوره يشكل عائقاً في انتشاره وفي تواصل القارئ معه ، فليس من الضروري لكي يكون النص عمانياً، أن أغرقه بالمفردات العمانية المحلية، إلا إذا كانت روح النص تلح تماماً على الكاتب الاتجاه نحو هذا الشكل الكتابي. على سبيل المثال، في مجموعة (حد الشوف ( الفذة للقاص العماني سالم آل تويه وجدت أن خصوصية المكان العماني مع غيره من الأماكن تمازجت في معظم مختلف النصوص، وكانت قادرة على استيعاب أطياف مختلفة من الشخصيات والأزمنة وكذلك الأمكنة وهنا يكمن تمكّن الكاتب في مقدرته على ابتكار العوالم القصصية ضمن البيئة التي يفرضها سياق السرد وبالتالي تحقق خصوصيتها أينما كانت. · كثير من كتاب الرواية بدؤوا بكتابة القصة القصيرة قبل أن يتحولوا لكتابة الرواية كمرحلة لابد من المرور بها ومن خلال النصوص التي تكتبها يبرز عالم ممتد ومفتوح لملامح أفق لا يمكن أن تحتمله سوى الرواية ، مثل قصة سعّود وقصة الكابتن حمدان فهل نستطيع أن نقول أن مازن حبيب القاص سيصبح الروائي في المستقبل ؟ ** الرواية هاجس حاضر، ولعل حلم كل كاتب أن تتكلل مسيرته بالأعمال الروائية ، ولكنني لا أظن أن كتابة القصة القصيرة بالضرورة هي مرحلة يتم الانتقال بعدها لكتابة الرواية، فبإمكان كاتب القصة القصيرة أن يُبقي على استقلالية أعماله وأن يحقق تواجده من خلالها دون الانتقال لكتابة الرواية والمثال العربي على ذلك الكاتب زكريا تامر الذي استطاع أن يحقق انتشار واسع من خلال القصة القصيرة تحديداً، وأنا اعتقد أن القصة القصيرة سوف تكتسب شيئاً من كيانها الخاص ولكن مع مرور الوقت كونها في شكلها الحالي تعتبر ضرباً حديثاً من الأدب، وعموماً همي الآن منصب في كتابة القصة القصيرة والتعرف على مزيد من التقنيات أما مازن الروائي فهو أمر متعلق بكثير من الاعتبارات. لكن من يدري، لعل ثمة أشياء أخرى من قصة الكابتن حمدان لم تروَ بعد!
· ولكن ألا تعتقد أن زكريا تامر استثناء من الصعب تكراره ؟ ** كان ذكري لتجربة زكريا تامر مثالاً فحسب. ينبغي أن نضع في عين الاعتبار العمر القصير نسبياً للقصة العربية القصيرة المعاصرة، وما قد يتمخض المستقبل من تجارب تخصصية مهمة في هذا السياق.
· على الرغم أن المكتبة العمانية تزخر بالعديد من الإصدارات القصصية إلا أنها تكاد تخلوا من أي أعمال روائية حقيقية مع بعض الاستثناءات النادرة فما أسباب ذلك في رأيك ؟ ** في الحقيقة أنا لا أفهم سبب ندرة الإصدارات الروائية العمانية بشكل عام، والذي أسهم بدوره في ما أسميتَه خلو المكتبة العمانية من أعمال روائية حقيقية على الرغم من اعتقادي بوجود الثلة القادرة إنجاز أعمال روائية بديعة. هل هو بسبب قلة الجرأة وعدم ثقة هؤلاء بتقديم أنفسهم كروائيين مثلاً؟ أم يتعلق بقلة الاحتفاء بالأعمال التي أنجزت؟ ثمة بعض الأعمال المنجزة التي ظهرت على هيئة مغامرات، بتعبير كتابها، ونحن لسنا في حاجة لمغامرات محضة بالقدر الذي نتحرق لتجارب عميقة تمثل وتعكس هذا الموروث الثقافي الوطني الهائل الذي بين أيدينا.
· لماذا لم تصدر مجموعتك القصصية حتى الآن ؟ ** بسبب توجسي من فقدان عذرية الإصدار الأول. رغم أن هذا قد يبدو بديهياً، لكن لا يمكن للمرء أن يصدر المجموعة القصصية الأولى سوى مرة واحدة! بمعنى أن العبء الذي يلقيه الكتاب الأول على صاحبه ثقيل خصوصاً إذا ما كان يطمح إلى ترك انطباع أولي حسن لدى القراء. لذلك أسعى للوصول مرحلة نضج كتابي قبل أن أخطو هذه الخطوة الهامة على مستوى النص والتجربة.
· بماذا تفسر غياب كثير من الأسماء التي كان لها حضور وإصدارات قصصية متميزة ؟ ** نعم، ثمة كثير من كتاب المجموعة القصصية الواحدة الذين انحسرت تجاربهم الإبداعية في شتى أنواعها، وأعتقد أن ظروف الإبداع في السلطنة لدى البعض مرتبطة بمرحلة عمرية معينة يكون الإبداع فيها نتاج مجموعة طارئة من الرغبات وسلسلة من الظروف العاطفية والاجتماعية ثم يبدأ يخفت بعدها مع المتغيرات التي تحل على هذه العوامل وبالتالي قد يصل الكاتب إلى مرحلة، تتزامن مع الترهل الحياتي والرتابة فلا يجد فيها ما يكتبه، وهذه مسألة خطيرة فهي تعني أن الإبداع يضمحل، لأن ذلك يتنافى مع أبجديات الإبداع التي تعتمد في جوهرها على الاستمرارية والابتكار ولا ترتبط بمرحلة معينة.
· ماذا يعني المكان لك عندما تكتب القصة ؟ ** أنا مفتون بالشخصية القصصية، ما قد يفسر ارتباط كثير من عناوين قصصي بها، والمكان في الغالب مرتبط بها في كتاباتي وأنا حين أكتب أترك اختيار المكان ليكون ضمن النطاق الطبيعي لسير الشخصية فهي من تُوجده وتشكله وبالتالي خصوصية المكان لدي تنبع من خصوصية الشخصية وليس العكس.
· لقد قضيت عدة سنوات في الولايات المتحدة فماذا مثلت لك هذه الفترة فكرياً وأدبياً ؟ ** بلا شك تجربة الإنسان في مقتبل العمر تسهم كثيراً في تشكيل ملامح شخصيته، وذلك ينطبق على أفكاره التي لا تنفصم عن شخصيته. تجربتي في الولايات المتحدة، بالرغم من مشقتها وصعوباتها المختلفة آنذاك، إلا أنها كانت تجربة مشرقة وذلك بسبب تنوع جوانبها الحياتية: اللغوية والشخصية والعلمية والعملية والاجتماعية والثقافية والأدبية. لقد منحني تواجدي في بلد يعتبر فن القصة القصيرة فناً أمريكياً صرفاً الفرصة للاستزادة والإطلاع عليها بشكل مكثف. كما أن ولعي بالسينما قد تناغم تماماً مع عشقي للقصة. إن ارتباط الكثير من تقنيات السينما البصرية بالسرد الكتابي يجعلهما في كثير من الأحيان وجهين لعملة واحدة.
· تحتضن مسقط العام المقبل حدث مهم وهو مسقط عاصمة الثقافة العربية فماذا يمثل لك هذا الحدث كمثقف ؟ ** أتمنى أن يكون الحدث علامة فارقة في تاريخ الثقافة العمانية، وأن لا تقتصر الجهود على طباعة الكتب وإقامة الندوات والفعاليات الثقافية في ذلك العام فحسب، بل جسراً يمهد لما بعد الحدث وخطوة جادة للنهوض بمشروع ثقافي وطني واضح الملامح والأهداف قابل للتقييم والتحقق. |
A Mazin Habib Production: mazinhabib.info © 2007-2008